تتأهب أسواق النفط العالمية لتحول هيكلي في آليات تسعير النفط الخام وتنافسية المعروض في الأسواق الفورية، عقب إعلان شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) أمس الجمعة عن تحديث آلية سعر البيع الرسمي لخاماتها النفطية؛ وهو قرار يتجاوز كونه مجرد تعديل تقني ليصبح بمثابة الخطوة الاستراتيجية الأهم لإعادة صياغة السياسة التجارية النفطية لدولة الإمارات منذ قرار انسحابها من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+" وتسييل كامل قدراتها الإنتاجية الحرة في السوق العالمي.
ومن المتوقع أن يقود هذا التحول التسعيري الجديد إلى إعادة رسم توازنات التدفقات القياسية الجديدة المتجهة صوب الأسواق الآسيوية، والتي تستحوذ وحدها على نحو 70% من صادرات النفط الخليجي.
وينطوي هذا التحديث على فصل تجاري ينهي ارتباط الخامات البحرية الثلاثة (زاكوم العلوي، داس، وأم اللولو) بأسعار خام مربان البري، حيث تقرر نقل مرجعيتها السعرية لتصبح تابعة مباشرة لمؤشر خام دبي القياسي عبر علاوات أو خصومات شهرية تتوافق مع طبيعة التداولات الفورية في السوق الآسيوية.
استقلالية كاملة لخام مربان الخفيف
وفي المقابل، يحافظ القرار على الاستقلالية الكاملة لخام مربان الخفيف، والذي سيستمر تسعيره بشكل حر ومستقل وفقاً لآليات العرض والطلب وعقوده الآجلة المتداولة في بورصة إنتركونتيننتال أبوظبي للأوراق الآجلة.
وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لتصحيح فجوة سعرية وفنية طالما شكلت عبئاً مالياً على مصافي التكرير الدولية، بسبب التباين الكيميائي الحاد بين جودة النفط البري والبحري؛ إذ كان تقييم الخامات البحرية الحامضة بناءً على حركة أسعار النفط البري الخفيف يحمل المصافي تكاليف إضافية لا تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للمنتجات المستخرجة.
فمن ناحية الجودة، يُصنف خام مربان القياسي كنفط "خفيف حلو" عالي الجودة، بكثافة نوعية تبلغ 39.9 درجة ونسبة كبريت منخفضة جداً لا تتعدى 0.078%، ما يجعله نفطاً ممتازاً يباع دائماً بأسعار مرتفعة.
وفي المقابل، يُصنف خام زاكوم العلوي البحري كنفط "متوسط حامض"، بكثافة تبلغ 34 درجة ونسبة كبريت مرتفعة تصل إلى 1.9%.
ويترجم هذا الاختلاف الفني مالياً في الأسواق العالمية عبر فجوة سعرية واضحة؛ حيث يتداول خام مربان في الظروف الطبيعية بعلاوة سعرية تفوق خام دبي بمقدار يتراوح بين 1.50 إلى 3.50 دولار للبرميل الواحد، وهو الفارق الذي دفع "أدنوك" لاعتماد آلية التسعير الجديدة لإنصاف جودة الخامات البحرية وجعلها أكثر واقعية وجاذبية للمشترين.
طفرة إنتاجية قياسية
ويكمن الجانب الأكثر الأهمية في هذا التحول بتزامنه مع طفرة إنتاجية قياسية سجلتها دولة الإمارات عقب تحررها من قيود الحصص الجماعية السابقة؛ فبعد أن كان إنتاج البلاد مقيداً تاريخياً عند حدود 3.4 مليون برميل يومياً، قفز الإنتاج الفعلي للبلاد ليسجل مستويات غير مسبوقة ملامساً حاجز 4.1 مليون برميل يومياً.
هذا التدفق الكثيف يتيح لشركة أدنوك تصدير كميات بحرية ضخمة تتجاوز 1.8 مليون برميل يومياً من النفط البحري الحامض إلى الأسواق الفورية؛ حيث يستأثر حقل زاكوم العلوي وحده بحصة الأسد من هذا الإنتاج بنحو 1.2 إلى 1.4 مليون برميل يومياً، مما وضع الشركة أمام ضرورة حتمية لتطوير أساليبها التسويقية.
ويرتبط هذا الواقع التشغيلي والتوسعي بالمعطيات الجغرافية والاعتبارات اللوجستية التي تميز حركة الصادرات؛ حيث يُصنف القسم الأكبر من خام مربان عبر خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" بطاقة استيعابية تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، ليتم تحميل شحناته مباشرة من المحيط الهندي خارج مضيق هرمز.
ويمنح هذا الموقع الجغرافي خام مربان علاوة أمان متميزة تحمي قيمته وعقوده الآجلة كخام قياسي عالمي، ويفصله تماماً عن الإمدادات البحرية المستخرجة من الجزر الواقعة داخل مياه الخليج العربي، والتي تخضع لظروف شحن وتأمين مختلفة ترتبط بمؤشر دبي المعمول به إقليمياً.
استثمارات ضخمة
وتتزامن هذه الخطوة مع استثمارات ضخمة تنفذها "أدنوك" للوصول سريعاً إلى طاقة إنتاجية قصوى تبلغ 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، ما يمنح الشركة مرونة عالية لتحديد الفوارق السعرية الرسمية بشكل مسبق لشهرين، مما يمثل أداة تجارية قوية لتعزيز حصتها السوقية ومنافسة الخامات الإقليمية المماثلة في آسيا.
وتتيح الآلية الجديدة تعديل الفوارق السعرية بدقة، مما يضمن تسويق كامل القدرات الإنتاجية الإضافية بيسر، وتوجيهها مباشرة إلى مصافي التكرير الآسيوية المصممة تقنياً لمعالجة النفط ذي نسب الكبريت العالية، دون الحاجة لتقديم تنازلات سعرية غير مبررة.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن قرار "أدنوك" يمثل تحولاً استراتيجياً وضع حداً لتداخل تقييم النفط البري والبحري؛ حيث يسهم فرز نحو 1.7 مليون برميل يومياً من خام مربان كخام قياسي مستقل في البورصة، وإعادة تسعير الصادرات البحرية وفقاً لمؤشر دبي، في تعظيم العوائد المالية لكل برميل منتج وتأمين التدفقات اللازمة لخطط التنمية الاقتصادية المستدامة.