عادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة في أوروبا خلال يوليو (تمَّوز) 2026، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة واستمرار صلابة أسعار الخدمات، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الاقتصادات الأوروبية، بين دول تقترب من استقرار الأسعار وأخرى لا تزال تسجل معدلات تضخم مرتفعة، بحسب رصد لـ"24".

على سبيل الذكر لا الحصر، أظهرت بيانات مكتب الإحصاء المركزي الهولندي، الثلاثاء، أن معدل تضخم أسعار المستهلكين في هولندا ارتفع خلال يوليو (تموز) الماضي، بوتيرة تجاوزت التقديرات الأولية. وسجلت أسعار المستهلكين 3.2% على أساس سنوي خلال يوليو (تمَّوز) الماضي، مقارنة بزيادة بلغت 2.9% في يونيو (حزيران) الماضي، وكانت القراءة الأولية قدرت معدل التضخم عند 3.1%.

وتسارع معدل التضخم في قطاع النقل إلى 8.6% خلال يوليو (تمَّوز) الماضي، مقابل 6.9% في يونيو (حزيران) الماضي، وسط ارتفاع أسعار وقود السيارات بشكل حاد بنسبة 22 %. كما ارتفعت أسعار الطاقة 1.1% على أساس سنوي بعد انخفاضها 1.8% في يونيو (حزيران) الماضي.

البيانات من هولندا تناسقت مع بيانات أولية لمكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" أشار إلى أن معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو ارتفع إلى 2.9% في يوليو، مقابل 2.8% في يونيو، ليظل أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي 2%.

وكان التضخم في "القارة العجوز" بلغ 3.2% في مايو (أيار) و 3% في أبريل (نيسان)، قبل أن يتراجع في يونيو ثم يعاود الصعود في الشهر ، في إشارة إلى أن مسار انحسار الضغوط السعرية لا يزال متقلباً.

وجاءت الطاقة في صدارة المحركات التضخمية، إذ ارتفعت أسعارها في منطقة اليورو 10% على أساس سنوي في يوليو، مقابل 8.5% في يونيو، فيما تسارع تضخم الخدمات إلى 3.3% من 3.2%.

في المقابل، تباطأ ارتفاع أسعار الغذاء والكحول والتبغ إلى 1.2% من 1.5%، ما يعكس تحول مركز الضغوط التضخمية من الغذاء إلى الطاقة والخدمات.

وأشارت تقارير لـ"رويترز" إلى أن ارتفاع أسعار النفط في ظل التوترات الجيوسياسية ساهم في تجدد المخاوف التضخمية، وسط خشية من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة تدريجياً إلى أسعار النقل والإنتاج والخدمات.

وتباينت التطورات بشكل واضح بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى. ففي ألمانيا (أكبر اقتصاد في القارة) ارتفع التضخم إلى 2.8% في يوليو بينما كان 2.3% في يونيو، وفق بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي، بينما بلغ التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 2.4%.

وتواجه ألمانيا، إلى جانب ضغوط الطاقة، تأثيرات اقتصادية ناجمة عن موجات الحرارة والجفاف واضطرابات النقل النهري، وهي عوامل يمكن أن ترفع تكاليف الشحن والإنتاج خلال الفترة المقبلة.

وفي فرنسا، ظل التضخم أقل من غالبية الاقتصادات الكبرى، لكنه ارتفع إلى 2.1% في يوليو مقابل 1.8% في يونيو، بحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية.

وجاءت الزيادة الفرنسية نتيجة تسارع أسعار الخدمات وارتفاع بعض مكونات الطاقة، بعد أن كان التضخم قد سجل تراجعاً واضحاً في الشهر السابق.

أما إسبانيا، فسجلت واحدة من أعلى معدلات التضخم بين الاقتصادات الكبيرة في منطقة اليورو، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.5% في يوليو بينما كان 3.2% في يونيو، في حين بلغ التضخم وفق المؤشر الأوروبي المنسق 3.8%.

كما صعد التضخم الأساسي في إسبانيا إلى نحو 3%، وهو ما يشير إلى أن الضغوط السعرية لم تعد مرتبطة حصراً بالطاقة والغذاء، بل امتدت إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.

وفي إيطاليا، تحرك التضخم في اتجاه مخالف نسبياً، إذ تراجع إلى 2.8% في يوليو من 3% في يونيو، بعد أن بلغ 3.2% في مايو. غير أن البيانات الإيطالية أظهرت استمرار تفاوت تأثير ارتفاع الأسعار على الأسر، مع تسجيل معدلات تضخم أعلى لدى الفئات الأقل إنفاقاً مقارنة بالأسر ذات القدرة الشرائية الأعلى.

في سويسرا، بقي التضخم عند مستويات شديدة الانخفاض، مسجلاً نحو 0.4% في يوليو، بما يعكس اختلافاً حاداً عن اقتصادات أخرى في القارة.

وسجلت بولندا تضخماً يقارب 3% في يوليو، فيما لا تزال بعض دول شرق أوروبا تواجه مستويات أعلى بكثير.

وأظهرت أحدث البيانات المقارنة المتاحة لجميع دول الاتحاد الأوروبي أن رومانيا سجلت في مايو تضخماً بلغ 9.7%، تلتها بلغاريا بـ6.3% وليتوانيا عند 5.1%، مقابل معدلات أقل بكثير في شمال وغرب أوروبا.

وتتركز أبرز مخاطر التضخم خلال النصف الثاني من 2026 في أسعار الطاقة، استمرار ارتفاع تكاليف الخدمات، الاضطرابات الجيوسياسية والظروف المناخية القاسية التي تضغط على أسعار الغذاء والنقل وإنتاج الكهرباء.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي أن يبلغ متوسط التضخم نحو 3% خلال 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.3% في 2027 ويعود إلى مستوى 2% في 2028. لكن ارتفاع أسعار الطاقة مجدداً يدفع صناع السياسة النقدية إلى الإبقاء على نهج حذر لفترة أطول، خصوصاً إذا استمرت ضغوط الخدمات والأجور.

وتشير الصورة الحالية إلى أن أوروبا تدخل مرحلة "تضخم بسرعتين"، إذ تقترب بعض الاقتصادات مثل فرنسا وسويسرا من استقرار نسبي للأسعار، في حين تسجل إسبانيا وأجزاء من شرق أوروبا معدلات أعلى بشكل ملحوظ.

وبينما لا يزال الاتجاه المتوسط الأجل يشير إلى تراجع التضخم تدريجياً نحو هدف 2%، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن الطريق إلى استقرار الأسعار لن يكون منتظماً، وأن الطاقة والخدمات والجغرافيا السياسية ستظل عوامل حاسمة في تحديد مسار التضخم الأوروبي حتى نهاية العام.