قد تنحسر القيود على الملاحة في مضيق هرمز خلال أسابيع، لكن ذلك لا يعني انتهاء أزمة الطاقة بالسرعة نفسها. فأسواق النفط والغاز تواجه فجوة بين عودة حركة السفن واستعادة الإنتاج والصادرات والمخزونات إلى مستوياتها الطبيعية، ما يضع الاقتصاد العالمي بوجه عام، ودول المنطقة على وجه الخصوص، أمام مسار تعافٍ تدريجي قد تمتد آثاره إلى 2027.
وتشير تقديرات "إدارة معلومات الطاقة الأمريكية"، إلى أن عودة التدفقات عبر هرمز قد تبدأ تدريجياً خلال الفترة المقبلة، بينما تحتاج أسواق الطاقة إلى وقت أطول لتعويض الإنتاج المتوقف، وإعادة بناء المخزونات واستقرار مسارات التجارة. بينما تصبح المعادلة أكثر حساسية مع دول المنطقة، حيث يرتبط جزء كبير من صادرات النفط والغاز بالمضيق، رغم امتلاكها بدائل جزئية، تسمح بتجاوز نقطة الاختناق البحرية.

إنفوغراف "إدارة معلومات الطاقة الأمريكي" يرصد أبرز تغييرات توقعات أسواق الطاقة 2026 و2027 مقارنة بتقديرات يوليو (تموز)الماضي.
سيناريو الأزمة
ولا ترسم أحدث تقديرات "إدارة معلومات الطاقة الأمريكية" سيناريو محدداً لأزمة مضيق هرمز تنتهي آثارها بمجرد تحسن حركة السفن خلال الأسابيع المقبلة. فبينما تفترض "الإدارة" أن القيود الشديدة على مرور شحنات النفط تستمر حتى نهاية أغسطس (آب) 2026، على أن تبدأ التدفقات في الارتفاع تدريجياً خلال سبتمبر (أيلول)، فإن استعادة إنتاج النفط ومسارات التجارة إلى مستويات قريبة من مرحلة ما قبل الأزمة قد تحتاج حتى مطلع 2027. والأهم أن جانباً من اضطرابات الإمدادات، يقدر بنحو 600 ألف برميل يومياً، قد يبقى قائماً حتى نهاية العام المقبل.
فجوة بين عودة الناقلات واستعادة السوق
هذه الفجوة بين عودة الناقلات واستعادة السوق تضع دول المنطقة أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة فتح المضيق. فهرمز ليس ممراً بحرياً فحسب، بل حلقة رئيسة تربط الطاقة الإنتاجية لدول الخليج بالمستهلكين في آسيا والعالم، وأي تعطيل ممتد سينعكس على أحجام الصادرات، والمخزونات، وكلفة الشحن والتأمين ثم على الأسعار والإيرادات النفطية.
وتعكس البيانات حجم الاضطراب بوضوح، إذ تراجعت تدفقات النفط الخام والسوائل البترولية عبر مضيق هرمز إلى متوسط 4.9 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025، قبل اندلاع الصراع. كما تقدر "الإدارة" أن متوسط الإنتاج النفطي المتوقف بلغ 5.5 مليون برميل يومياً خلال يوليو (تموز) وحده.
أزمة لوجستية تتحول إلى ضغط على الإنتاج
تكمن المشكلة الاقتصادية في أن تعطل طريق التصدير يفرض في نهاية المطاف قيوداً على الإنتاج نفسه. فإذا لم تستطع الشركات نقل الخام إلى الأسواق بالوتيرة المعتادة، فستتأثر قدرة المنتجين على مواصلة الضخ عند المستويات السابقة، حتى وإن ظلت المنشآت الإنتاجية قادرة فنياً على العمل.
وأرجعت "إدارة معلومات الطاقة الأمريكية" حجم الإنتاج المتوقف في الشرق الأوسط، إلى استمرار القيود الحادة على حركة هرمز. مؤكدة أن عودة التدفقات تدريجياً ستسمح بإعادة تشغيل الإنتاج، لكنها لا تتوقع استعادة معظم الكميات المتوقفة إلا خلال الربع الأول من 2027، فيما قد تظل بعض الطاقات خارج السوق بعد ذلك.
ويعني ذلك أن الحديث عن انفراجة في سبتمبر(أيلول) لا يساوي عودة السوق إلى وضعها الطبيعي في الشهر ذاته. فاستعادة سلسلة الإمدادات تمر بمراحل تبدأ بأمن الملاحة، ثم انتظام حركة الناقلات، وإعادة تشغيل الإنتاج، واستعادة مسارات التصدير والعقود، وأخيراً إعادة بناء المخزونات التي استنزفت خلال شهور الاضطراب.
الغاز الطبيعي المسال
وقالت "إدارة معلومات الطاقة الأمريكية"، في أحدث توقعاتها الصادرة في 11 أغسطس (آب) الجاري، إن "أسعار الغاز في الأسواق الدولية ارتفعت خلال يوليو (تموز) إلى مستويات لم تشهدها منذ أوائل أبريل (نيسان)، مع تباطؤ حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز بصورة كبيرة عقب استئناف الهجمات على السفن في 7 يوليو".
مخزونات النفط العالمية
وتقدر "إدارة معلومات الطاقة الأمريكية"، أن مخزونات النفط العالمية انخفضت بمعدل 4.2 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من 2026، وتتوقع انخفاضاً إضافياً بمعدل 3.8 مليون برميل يومياً خلال الربع الثالث. وهذا الاستنزاف يخلق فجوة يجب تعويضها قبل أن تستعيد السوق توازنها الكامل. لذلك تتوقع "الإدارة" بقاء الأسعار مرتفعة خلال الفترة القريبة حتى تعود التدفقات والإنتاج وتبدأ المخزونات في الزيادة مجدداً.
الطاقة الدولية تتوقع تفاقم العجز
ومن جانبها تتوقع وكالة الطاقة الدولية، تعرض سوق النفط العالمية لضغوط أكبر خلال 2026، مع اضطراب تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الوقود، ما دفعها إلى تعديل تقديراتها للطلب والإمدادات والعجز في السوق.
ورفعت الوكالة تقديراتها للعجز بين العرض والطلب، متوقعة أن يكون إجمالي المعروض العالمي أقل من الطلب 1.27 مليون برميل يومياً خلال 2026، مقابل عجز قدره 860 ألف برميل يومياً في تقديراتها السابقة.
ووفق تقريرها الشهري، الذي نشرته اليوم الأربعاء، تتوقع الوكالة انخفاض الطلب العالمي على النفط 1.6 مليون برميل يومياً في 2026، مقارنة بتوقعاتها السابقة بانخفاض قدره مليون برميل يومياً.

عجز أكبر في الربع الثالث
وتوقعت الوكالة وصول عجز سوق النفط إلى 1.8 مليون برميل يومياً في الربع الثالث من 2026، مع تجدد الأعمال القتالية في الشرق الأوسط، مقارنة بتقديرات سابقة في يوليو (تموز) أشارت إلى عجز 800 ألف برميل يومياً.
وتعكس هذه التوقعات تراجعاً حاداً في الإمدادات، إذ تتوقع الوكالة انخفاض إمدادات النفط العالمية 4.3 مليون برميل يومياً خلال 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بتراجع قدره 3.7 مليون برميل يومياً.