على الرغم من أن أسعار النفط الخام تتصدر المشهد في متابعة أسواق الطاقة، إلا أن أزمة أخرى تتحرك في المصافي وخزانات الوقود، بعد ارتفاع سعر الديزل في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مستويات تعيد إلى الواجهة مخاطر انتقال كلفة الطاقة إلى النقل والزراعة والصناعة ثم أسعار الغذاء.
هامش الديزل يقفز فوق 102 دولار للبرميل لأول مرة.. والإمدادات المكررة تعجز عن ملاحقة الطلب
5.45 دولار للغالون في الولايات المتحدة.. والشاحنات والمزارع أول خطوط انتقال صدمة الوقود إلى الأسعار
أستاذ زائر بجامعة جورج ميسون لـ"24": ارتفاع الديزل قد يصبح مصدراً جديداً للتضخم.. وزيادة الخام وحدها لا تكفي لحل الأزمة
أوميد شكري: المصافي الأمريكية تعمل قرب حدودها القصوى.. والأسعار قد تظل مرتفعة ومتقلبة لأشهر
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط سعر الديزل على الطرق 5.454 دولارات للغالون في الأسبوع المنتهي في 17 أغسطس (آب)، مرتفعاً بنحو 20 سنتاً خلال أسبوع، وبنحو 1.74 دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ووفقاً لوكالة "رويترز" للأنباء، فإن هامش الديزل الأمريكي، وهو الفارق بين عقود الديزل الآجلة وخام غرب تكساس الوسيط، وصل إلى 102.20 دولار للبرميل في 17 أغسطس (آب)، متجاوزاً حاجز 100 دولار للمرة الأولى.
الأزمة في المصافي
وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن المشكلة لا تقتصر على توافر النفط الخام، إذ بلغ تشغيل المصافي عالمياً 80.9 مليون برميل يومياً في يوليو (تموز)، أقل قرابة 5 ملايين برميل يومياً عن مستواه قبل عام، مضيفة أن الطاقة المتاحة في مناطق أخرى لم تستطع تعويض اختناقات إمدادات المنتجات المكررة.
وأضافت الوكالة أن صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا تراجعت قرابة 1.3 مليون برميل يومياً على أساس سنوي، بما يعادل 20% من تجارة الديزل العالمية المنقولة بحراً، وسط اضطرابات صادرات الشرق الأوسط وهجمات على المصافي الروسية.

وفي الولايات المتحدة، لا يعكس نقص المعروض ضعف تشغيل المصافي، وتقول "رويترز" إن شركات التكرير الأمريكية تعمل بالقرب من أقصى طاقتها منذ اندلاع الحرب مع إيران، كما صدرت البلاد نواتج تقطير، تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمعدل قياسي بلغ 1.9 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس (آب).
ورغم زيادة الإنتاج، بلغت مخزونات نواتج التقطير الأمريكية 107.1 ملايين برميل في 7 أغسطس (آب)، وهو أدنى مستوى لهذه الفترة من العام منذ 1996، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة التي نقلتها "رويترز".
وقال د. أوميد شكري كاليهسار، محلل متخصص في شؤون الطاقة الأمنية، مقيم بواشنطن، وباحث وأستاذ زائر في العلوم السياسية في جامعة جورج ميسون، لـ"24"، إن القفزة الحالية في أسعار الديزل تجمع بين اضطرابات مؤقتة ومشكلات هيكلية أعمق، موضحاً أن عمل المصافي الأمريكية بالقرب من حدودها العملية يعني أن زيادة إمدادات النفط الخام وحدها لا تستطيع سريعاً إنتاج كميات كافية من الديزل لتعويض نقص الإمدادات الدولية.
وأضاف أن أعمال الصيانة الموسمية للمصافي خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، إلى جانب اقتراب ارتفاع الطلب الشتوي على زيت التدفئة، قد تزيد الضغوط على سوق نواتج التقطير، مرجحاً أن تبقى أسعار الديزل مرتفعة ومتقلبة لعدة أشهر، حتى في حال استقرار أسعار النفط الخام.
وتزيد الصين من حساسية المعروض العالمي، بعدما انخفضت معالجة الخام في مصافيها 16% خلال يوليو (تموز) مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني التي أوردتها "رويترز".

من الشاحنة إلى الغذاء
ويمتد استخدام الديزل إلى ما هو أبعد من السيارات، إذ تقول "رويترز" إن الوقود يستخدم في المعدات الزراعية والنقل الثقيل والصناعة وتوليد الكهرباء في بعض الدول، فيما تتزامن قفزة الأسعار الحالية مع مواسم زراعية في نصفي الكرة الأرضية.
وتوضح دراسة ممولة من خدمة التسويق الزراعي بوزارة الزراعة الأمريكية حجم ارتباط الغذاء بالنقل البري، إذ تنقل الشاحنات 83% من المنتجات الزراعية الأمريكية، وترتفع النسبة إلى 92% بالنسبة للألبان والفواكه والخضراوات والمكسرات، كما خلصت الدراسة إلى أن ارتفاع تكاليف النقل بالشاحنات ينتقل إلى المطاعم ومتاجر البقالة والمستهلكين.
وقال شكري إن استمرار ارتفاع أسعار الديزل قد يصبح مصدراً مهماً للضغوط التضخمية حتى مع استقرار أسعار النفط الخام، موضحاً أن أولى التداعيات تظهر في النقل والشحن، مع لجوء شركات النقل إلى زيادة رسوم الوقود، قبل انتقال جزء من هذه الزيادة إلى المصنعين وتجار الجملة والمتاجر والمستهلكين.
وأشار إلى أن الزراعة تتعرض لارتفاع كلفة الديزل في مراحل متعددة، بداية من تشغيل الجرارات والحصادات ومضخات الري، وصولاً إلى نقل الأسمدة والحبوب والماشية وتصنيع الأغذية والتوزيع المبرد، مؤكداً أن ارتفاع الديزل وحده قد لا يؤدي إلى قفزة حادة في أسعار الغذاء، لكن تزامن زيادة كلفة الزراعة والتصنيع والتخزين والنقل يمكن أن يخلق أثراً تراكمياً ملموساً.
ويأتي ارتفاع الديزل في وقت سجل فيه التضخم الأمريكي 3.4% على أساس سنوي في يوليو (تموز)، بينما ارتفعت أسعار الغذاء 3% والطاقة 14.7%، وفق مكتب إحصاءات العمل الأمريكي. وفي الوقت نفسه، انخفض مؤشر الطاقة 1.5% خلال الشهر، قبل القفزة الأخيرة في سعر الديزل.