فرض الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة سلسلة من العقوبات على إيران، على خلفية برنامجها النووي، وانتهاكات حقوق الإنسان، ودعمها العسكري لروسيا، وصولاً إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية في فبراير(شباط) 2026. وفي مايو (أيار)، وسّع الاتحاد نطاق العقوبات ليشمل جهات مرتبطة بسياسات إيرانية تهدد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وتأتي هذه الإجراءات بعد تدهور متدرج في العلاقات الأوروبية الإيرانية. وفق معهد تشاتام هاوس البريطاني للأبحاث، إذ تسارع هذا التدهور منذ 2022 مع الدعم العسكري الإيراني لروسيا، وقمع الاحتجاجات في إيران، وتعثر إحياء الاتفاق النووي، قبل أن تعود العقوبات الدولية المرتبطة بالملف النووي في 2025.

النووي.. بداية الكلفة الاقتصادية المباشرة

كان الملف النووي أولى المحطات التي أعادت العقوبات الاقتصادية إلى العلاقة الأوروبية الإيرانية. بحسب سعيد محمد، خبير اقتصاد، فبعد تراجع التزام طهران بقيود الاتفاق النووي وتعثر الجهود لإحيائه، أعادت الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تفعيل آلية "سناب باك" في 2025، لتعاد العقوبات المرتبطة بالملف النووي، بما فيها قيود على قطاعات التجارة والطاقة والمال والنقل.

ويرى سعيد محمد أن الكلفة هنا لم تقتصر على خسارة بعض الأسواق، بل امتدت إلى ارتفاع كلفة تمويل التجارة الإيرانية وتأمينها ونقلها، لأن العقوبات تجعل البنوك والشركات أكثر حذراً في التعامل مع إيران، وتدفع الشركات الراغبة في دخول السوق الإيرانية إلى احتساب مخاطر إضافية قبل الاستثمار.

وتؤكد دراسة منشورة في World Trade Review أن العقوبات العامة التي فرضها الاتحاد الأوروبي أثرت بقوة في التدفقات التجارية بين إيران ودول الاتحاد، وفي معظم القطاعات، بينما كان تأثير العقوبات الموجهة إلى أفراد وكيانات محددة أقل اتساعاً.

قمع الاحتجاجات.. تضييق دائرة التعامل الأوروبي

بعد احتجاجات 2022، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى توسيع العقوبات المرتبطة بحقوق الإنسان، مع فرض قيود على مسؤولين ومؤسسات أمنية وقضائية وإعلامية إيرانية. واستمرت القوائم الأوروبية في الاتساع مع موجات القمع اللاحقة، ما نقل الخلاف من الملف النووي إلى سلوك الدولة الإيرانية داخلياً.

التأثير الاقتصادي لهذه المرحلة بحسب سعيد محمد، يظهر خصوصاً في ارتفاع مخاطر الامتثال، فكلما اتسعت دائرة المؤسسات والأشخاص الخاضعين للعقوبات، أصبح على الشركات والبنوك التحقق بصورة أكبر من ملكية شركائها وعلاقاتهم بالمؤسسات الإيرانية، ما يرفع تكلفة التعامل، ويجعل بعض الشركات تفضّل الانسحاب بدلاً من تحمل المخاطر.

دعم روسيا.. خسارة مساحة إضافية أمام أوروبا

شكل التعاون العسكري الإيراني مع روسيا نقطة تحول أخرى. فبحسب الاتحاد الأوروبي، أدى تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية إلى وضع إيران في مواجهة مباشرة مع إحدى أولويات الأمن الأوروبي، ودفع بروكسل إلى فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة ببرامج المسيّرات والصواريخ الإيرانية.

 الكلفة الاقتصادية لهذه السياسة لا تأتي فقط من العقوبات الجديدة، يقول الخبير الاقتصادي، وإنما من تضييق الوصول إلى التكنولوجيا والمكونات والتمويل الأوروبي. ومع تراجع التعامل مع الشركات الإيرانية المرتبطة بالقطاعات العسكرية، تصبح عملية تحديث الصناعة والحصول على التكنولوجيا والاستثمار الخارجي أكثر صعوبة.

ويعتبر تشاتام هاوس أن الدعم العسكري الإيراني لروسيا منذ 2022 كان من العوامل الحاسمة في تسريع تدهور العلاقات الأوروبية الإيرانية، إلى جانب القمع الداخلي وتعثر الاتفاق النووي.

الحرس الثوري.. من العقوبات إلى القطيعة القانونية الأوسع

في فبراير (شباط) 2026، أدرج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، في تحول مهم عن سياسة أوروبية كانت حريصة على إبقاء مساحة للتعامل والحوار مع طهران. وترتب على القرار تجميد أصول الحرس الثوري ومنع الجهات الأوروبية من توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية له.

ويرى سعيد محمد أن أهمية هذه الخطوة اقتصادياً تكمن في اتساع مخاطر التعامل مع الشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، وليس فقط في الأموال المجمدة. فالشركات والبنوك تحتاج إلى التدقيق في الملكية والسيطرة والعلاقات التجارية، ما يرفع المخاطر القانونية والسمعة التجارية، ويزيد احتمال عزوف المؤسسات الأوروبية عن أي نشاط يمكن أن يرتبط بهذه الشبكات.

ويشير تشاتام هاوس إلى أن القرار لا يعني بالضرورة تغيراً جذرياً في حجم التجارة الإيرانية فوراً، لأن كثيراً من الشركات الأوروبية كانت أصلًا تتعامل مع إيران بحذر، لكنه يرفع مستوى المخاطر القانونية، ويفتح المجال أمام تدقيق أكبر في المعاملات المرتبطة بالشبكات التابعة للحرس الثوري.

مضيق هرمز.. عندما وصلت المواجهة إلى التجارة والملاحة

في 2026، اتسع الخلاف ليشمل سياسات إيران المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز. ووسّع الاتحاد الأوروبي في مايو (أيار) إطار العقوبات ليشمل أشخاصاً وجهات متهمة بالمشاركة في إجراءات تهدد حرية الملاحة، ثم فرض في يونيو (حزيران) عقوبات على قيادة تابعة للحرس الثوري وأفراد مرتبطين بها.

ويقول سعيد محمد إن هذه المرحلة تضيف نوعاً مختلفاً من الكلفة، لأن المخاطر لم تعد مرتبطة فقط بالوصول إلى السوق الإيرانية، بل أيضاً بالنقل البحري والتأمين وسلاسل الإمداد. وكل ارتفاع في المخاطر الأمنية حول الممرات البحرية ينعكس على تكلفة التجارة، ويقلل جاذبية إيران كمركز للتجارة والاستثمار.

ما الذي خسره الاقتصاد الإيراني؟

لا يمكن اختزال الخسارة في انخفاض التجارة مع أوروبا وحدها. فقد أظهرت دراسة حديثة للباحث روك سبروك، نُشرت في فبراير (شباط) 2026، أن المواجهة طويلة الأمد بين إيران والغرب ارتبطت بخسائر كبيرة ومستمرة في الناتج المحلي الحقيقي ونصيب الفرد من الناتج، إلى جانب تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، والاندماج التجاري، والصادرات غير النفطية. وتقدر الدراسة فجوة الناتج بنحو 24% مقارنة بالمسار الافتراضي الذي كان يمكن أن تسلكه إيران في غياب استمرار المواجهة مع الغرب. 

ويقول سعيد محمد إن أهمية هذه النتائج تكمن في أنها تظهر أن الكلفة لا تتراكم في بند واحد من الاقتصاد، بل تنتقل من التجارة إلى الاستثمار والإنتاج والصادرات. فعندما يصبح الاقتصاد معزولًا لفترة طويلة، لا يخسر فقط صفقات قائمة، وإنما يفقد جزءاً من قدرته على جذب رأس المال والتكنولوجيا وتنويع أسواقه.

أما على مستوى العلاقة التجارية المباشرة مع أوروبا، فبلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي وإيران ما يقرب من 5 مليارات يورو في 2021، قبل موجة العقوبات الأوروبية الجديدة التي بدأت في 2022، ثم تراجع إلى 3.7 مليار يورو في 2025، بانخفاض يقارب 24%، وفق بيانات المفوضية الأوروبية المستندة إلى إحصاءات يوروستات.

ويخلص سعيد محمد إلى أن تراجع الدور الأوروبي يعني أن إيران خسرت شريكاً كان يمكن أن يوفر لها سوقاً أكثر تنوعاً، وتمويلًا وتكنولوجيا واستثمارات من شركات أوروبية. والبدائل الموجودة اليوم لا تعوض هذه الوظائف بالكامل، خصوصاً عندما تترافق مع مخاطر العقوبات وصعوبة التحويلات والتمويل.