منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، في أواخر فبراير (شباط) الماضي، تسبب الصراع في اضطراب شديد لإمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وغيرها من السلع الأساسية، التي تمر عبر مضيق هرمز.

ومع تعطل شحنات نفط تجاوزت بالفعل ملياري برميل هذا العام، تصنف وكالة الطاقة الدولية ما يحدث بأنه "أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية".

وفيما يتعلق بالتضخم، لا تزال أسعار النفط القياسية أقل بكثير من المستويات القياسية التي بلغتها خلال أزمات عالمية سابقة. وعلى خلاف الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة بسبب حظر النفط العربي (1973-1974)، والثورة الإيرانية (1978-1979)، لم تؤد الاضطرابات الحالية في الشرق الأوسط إلا إلى تباطؤ طفيف للغاية في النشاط الاقتصادي.

أكبر اضطراب نفطي في تاريخ السوق العالمية

ويرى فيجاي فيثيسواران، الخبير لدى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في تحليل نشره المجلس، أن "ذلك ليس هو الأمر الأكثر خطورة"، متسائلاً: "كيف أدى أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة في التاريخ إلى إحداث صدمة نفطية، لم تحدث فعلياً"؟.

ويقول إن "الإجابة تكمن في دروس سوف تتجاوز آثار هذا الصراع، كيفما ووقتما يتم حسمه في نهاية المطاف". ويوضح أن "التفسيرات المباشرة تأتي من الجانب المتعلق بالعرض، ولعب الحظ دوراً أيضاً". 

وكانت أسواق النفط تتمتع بإمدادات وفيرة عندما اندلعت الحرب، إذ كانت وكالة الطاقة الدولية توقعت فائضاً يقترب من 4 ملايين برميل يومياً في 2026، ولذلك لم يُصب المتعاملون بالذعر.

وكان للتخطيط أيضاً دور مهم، إذ سارعت الاقتصادات المتقدمة، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، إلى تنفيذ أكبر عملية سحب على الإطلاق من المخزونات الاستراتيجية من النفط، بلغت 273 مليون برميل، ما ساهم في تهدئة الأسواق بدرجة أكبر.

الإمارات.. طرق بديلة تتجاوز هرمز 

وكذلك ساعدت البنية التحتية المرنة، إذ قامت الإمارات بتحويل ملايين البراميل يومياً عبر خطوط أنابيب كانت غير مستغلة بالكامل، وتتجاوز الممر البحري.

وإلى جانب ذلك، أسهم الابتكار في تعزيز الإمدادات، "فبفضل ثورة النفط الصخري، انتقلت أمريكا من دولة تعاني من نقص الطاقة وتعتمد على الاستيراد في سبعينيات القرن الماضي إلى دولة تتمتع بوفرة في الطاقة وتصدرها، وتساعد اليوم في دعم أسواق النفط والغاز العالمية".

مع اقترابه من 100 دولار.. كيف تأرجح النفط مع تداعيات الحرب الإيرانية؟ - موقع 24منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط)، دخلت سوق النفط العالمية مرحلة شديدة التقلب، بعد انتقال خام برنت من 72 دولاراً للبرميل عشية الحرب إلى مستويات تجاوزت 120 دولاراً، قبل التراجع إلى ما دون 80 دولاراً مع بوادر تهدئة، ثم معاودة الصعود مجدداً إلى مشارف 100 دولار.

ويؤكد فيثيسواران أن "هذه العوامل الوقائية نتاج دروس بالغة الأهمية جرى استخلاصها من أزمات النفط السابقة"، إذ أُنشئت وكالة الطاقة الدولية 1974 تحديداً لتنسيق المخزونات الاستراتيجية من النفط".

ولكن هذا التحليل المتعلق بالعرض يتجاهل دور الطلب "الذي لم يكن متوقعاً إلى حد كبير، حيث ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن إدارة إمدادات النفط في أوقات الأزمات أسهل وأسرع من إدارة الطلب عليه".

ويشير فيثيسواران إلى أدلة على حدوث ذلك خلال الأزمة الحالية، وخاصة في أفريقيا وآسيا، حيث تحمل المستهلكون من ذوي الدخول المنخفضة وطأة الأزمة الأكبر.

وعلى سبيل المثال، خلص تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر عن البنك الدولي في يونيو (حزيران) 2026 إلى أن حرب إيران فاقمت مواطن الهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها بنغلاديش منذ فترة طويلة. وفي نيجيريا ارتفعت أسعار الوقود  50%.

الصين تخفض وارداتها بأكثر من 40%

وأثبتت الصين خطأ الاعتقاد بأن حشد رد فعل متماسك وسريع فيما يتعلق بالطلب يكاد يكون مستحيلاً، حيث خفضت بكين وارداتها المنقولة بحراً من النفط الخام بأكثر من 5 ملايين برميل يومياً حتى يونيو (حزيران) الماضي، أي بما يزيد على 40% عن مستويات ما قبل الحرب، دون أن يؤدي ذلك إلى أزمة اقتصادية داخلية.

وكان أحد الأساليب التي حققت بها الصين ذلك عبر السحب من احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة، والاعتماد مؤقتاً على الفحم المحلي ومصادر الطاقة المتجددة لتعويض تراجع الواردات، إلى جانب فرض قيود على صادرات المنتجات النفطية.

ونجحت بكين في كبح الطلب المحلي على الوقود الأحفوري عبر سياسات تعزز استخدام المركبات البديلة، وترشيد استهلاك الطاقة، وتوسيع الاعتماد على وسائل النقل العام.

ويقول الخبير فيثيسواران إن هذا يقود إلى الدرس الأوسع، حيث إن "الطلب، الذي يُطلق عليه أحياناً اسم الوقود المنسي، يمكن أن يؤدي دوراً أكبر بكثير في إدارة الطاقة مما يتصوره صناع السياسات الذين يلجأون، بشكل تلقائي، إلى الحلول المرتبطة بجانب العرض في أوقات الأزمات".

وخلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (كوب 28) في الإمارات، تعهدت نحو 200 دولة، بينها أمريكا، بمضاعفة المتوسط العالمي لمعدل التحسن في كفاءة استخدام الطاقة إلى 4% سنوياً بحلول 2030.

منافسة 

وخلال الأشهر الأولى التي أعقبت إغلاق مضيق هرمز، قفزت صادرات الصين من المركبات الكهربائية إلى 9.2 مليار دولار في مايو (أيار)، بزيادة تقارب 50% على أساس سنوي، مع سعي الدول إلى تقليل اعتمادها على واردات الوقود الأحفوري المتقلبة، وتنويع مصادر الطاقة.

تقرير: عملية "الحسم الاقتصادي" ضد إيران تواجه تحديات هائلة - موقع 24شهدت الساحة الدولية تحولاً حاداً مع إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدشين ما أسمته "يوم الحسم الاقتصادي"، وهي حملة ضغوط مالية وحظر بحري واسع النطاق، تهدف إلى إرغام إيران على فتح مضيق هرمز، والعودة لخيار التفاوض.