في الإمارات، تكبر صناعة كاملة حول سؤال بسيط: كيف نحافظ على صحة الإنسان قبل أن يحتاج إلى العلاج؟ ويظهر جزء من الإجابة في سوق اللياقة والعافية التي توسعت قيمتها سريعاً، ثم بدأت تستقطب شركات تطور برمجيات التدريب والأجهزة القابلة للارتداء وتحليل البيانات، فيما تتحول الصحة الرقمية المعززة بالذكاء الاصطناعي إلى جزء من البنية الجديدة للرعاية والوقاية داخل الدولة.
اقتصاد العافية في الإمارات وصل 40.8 مليار دولار خلال 2024، بنمو سنوي 14.3% بين 2019 و2024، وهو الأسرع في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
بلغ اقتصاد العافية في الإمارات 40.8 مليار دولار خلال 2024، وفق أحدث بيانات Global Wellness Institute، مسجلاً نمواً سنوياً قدره 14.3% بين 2019 و2024، وهو أسرع معدل نمو بين اقتصادات العافية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
قاعدة المستهلكين أكبر من رواد الصالات
ولا يرتبط اتساع السوق بعدد المشتركين في الأندية فقط. فقد أظهر المسح الوطني للصحة والتغذية 2024-2025 أن 59.1% من البالغين في الإمارات لا يمارسون نشاطاً بدنياً كافياً، بينما بلغت نسبة السمنة 22.4%.
وتكشف الأرقام عن سوق تتجاوز شريحة الرياضيين المنتظمين إلى ملايين الأشخاص الذين تحتاج صحتهم إلى نشاط أكبر ومتابعة أكثر استمرارية.
وهنا تظهر مساحة المنتجات الرقمية. فالتطبيقات تساعد في تنظيم التدريب، والأجهزة القابلة للارتداء تتابع النوم والحركة والتعافي، والبرمجيات تربط المدرب بالعميل وتساعد الأندية على إدارة خدماتها. وبذلك تصبح اللياقة خدمة مستمرة تمتد إلى الحياة اليومية، لا نشاطاً ينتهي بانتهاء التمرين.

الاستثمار يتحرك مع هذا التحول
جاء تمويل شركة "Enhance" بقيمة 5.5 مليون درهم من صندوق محمد بن راشد للابتكار ليعكس هذا الجانب من السوق. فالشركة تطور حلولاً برمجية لقطاع اللياقة، تشمل إدارة المدربين والعملاء ومشغلي الصالات الرياضية. التمويل هنا يتجه إلى التكنولوجيا التي تشغل السوق، وليس إلى إنشاء مؤسسة رياضية جديدة.
أما شراكة "مبادلة" مع "WHOOP" فتأخذ البيانات إلى مرحلة أخرى؛ فقد استثمرت "مبادلة" 75 مليون دولار في الشركة المتخصصة في تقنيات تحسين الأداء والأجهزة القابلة للارتداء، ضمن تعاون يركز على علوم الأداء والصحة الوقائية والأبحاث الصحية.
وبموجب الشراكة، أعلنت WHOOP تأسيس مقر لها في الإمارات، وتوسيع خدمات Advanced Labs، وإطلاق التعريب الكامل لمنصتها الرقمية، إلى جانب إطلاق مبادرة مشتركة مع "مبادلة" للبحوث الصحية.
5.5 مليون درهم من "محمد بن راشد للابتكار" لدعم تكنولوجيا اللياقة البدنية - موقع 24أعلن صندوق محمد بن راشد للابتكار، المبادرة التي أطلقتها وزارة المالية لدعم منظومة الابتكار وريادة الأعمال في الدولة، تقديم ضمان ائتماني بقيمة 5.5 مليون درهم لشركة "Enhance" المتخصصة في تكنولوجيا اللياقة البدنية، لدعم توسع منصتها التقنية وتطوير حلول برمجية مبتكرة انطلاقا من الإمارات.
تكامل الأجهزة مع دور الطبيب
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة يمنى علي عمر، أخصائي التغذية العلاجية، في تصريحات لـ24، أن تطبيقات اللياقة والأجهزة القابلة للارتداء، مثل الساعات الذكية ومنصات متابعة النشاط، تؤدي أساساً دوراً في جمع البيانات عن سلوك المستخدم، بينما تأتي مهمة الطبيب أو أخصائي التغذية في تفسير هذه البيانات وربطها بالتاريخ الصحي للمريض وحالته الطبية.
وتوضح أن انخفاض الحركة أو اضطراب النوم، على سبيل المثال، قد يكون مؤشراً يستحق الانتباه، لكن الرقم وحده لا يفسر ما يحدث؛ إذ يحتاج المختص إلى البحث عن السبب ثم تحديد التدخل المناسب، سواء بتعديل النظام الغذائي أو تغيير نمط الحياة أو زيادة النشاط البدني أو اللجوء إلى العلاج الطبي عند الحاجة.

الدكتورة يمنى علي عمر - خاص 24
الصحة تدخل مرحلة تعتمد على البيانات
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي مهماً، ليس كمنتج منفصل، وإنما كأداة للتعامل مع الكمية المتزايدة من البيانات الصحية. ففي مايو 2026 اعتمد مجلس الوزراء السياسة الوطنية للنهوض بخدمات الرعاية الصحية الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إعداد قانون اتحادي لتنظيم التطبيقات الصحية الذكية واستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي.
وتضع السياسة إطاراً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مستويات الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، مع قواعد للأمن والأخلاقيات وحوكمة البيانات، ما يعني أن التحول الرقمي ينتقل من مستوى التطبيقات المنفردة إلى مستوى تنظيم المنظومة الصحية نفسها.
وبذلك تتضح أهمية سوق اللياقة داخل الاقتصاد الصحي الإماراتي؛ فكلما زاد الاهتمام بالنشاط البدني، زادت الحاجة إلى خدمات تقيس السلوك الصحي وتتابعه؛ وكلما زادت البيانات، اتسعت مساحة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتحويلها إلى أدوات للوقاية والرعاية.