أظهرت سوق العمل البريطانية أولى الإشارات الواضحة على عودة النشاط إلى التوظيف بعد فترة طويلة من التراجع، في مؤشر جديد على تحسن حذر في ثقة الشركات والاقتصاد، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة وعدم اليقين بشأن السياسات الحكومية.

كشفت بيانات أحدث مسح مشترك بين "كي بي إم جي"، واتحاد التوظيف والتشغيل البريطاني (REC)، نقلته "فايننشال تايمز" أن التعيينات الدائمة في المملكة المتحدة ارتفعت خلال أغسطس (آب) للمرة الأولى منذ سبتمبر (أيلول) 2022، منهية بذلك فترة استمرت قرابة أربع سنوات من التراجع المتواصل.

وسجل مؤشر التعيينات الدائمة 50.5 نقطة في أغسطس (آب)، مقابل 50 نقطة في يوليو (تموز)، ويعني تجاوز المؤشر مستوى 50 أن عدد شركات التوظيف التي سجلت زيادة شهرية في التعيينات أصبح أكبر من عدد الشركات التي سجلت انخفاضاً، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في اتجاه سوق العمل، وإن كان التحسن لا يزال محدوداً.

التوظيف المؤقت يقود التحسن

لم يقتصر التحسن على الوظائف الدائمة، إذ واصلت سوق العمل المؤقتة تسجيل أداء قوي. وارتفعت الفواتير المرتبطة بتوظيف العمالة المؤقتة للشهر الخامس على التوالي، مسجلة ثاني أسرع وتيرة نمو لها في أكثر من ثلاثة أعوام.

ويعكس هذا الاتجاه استمرار اعتماد الشركات على العمالة المؤقتة والعقود قصيرة الأجل كوسيلة أكثر مرونة لدعم خطط الاستثمار والتوسع، في ظل استمرار الحذر بشأن الالتزامات طويلة الأجل.

وأشار التقرير إلى أن التحسن في التوظيف الدائم ارتبط، في عدد من الحالات، بتحسن الثقة في السوق ورغبة الشركات في زيادة طاقتها التشغيلية، إلا أن حالة عدم اليقين بشأن آفاق الاقتصاد والسياسات الحكومية لا تزال تحد من قوة التعافي.

ارتفاع الأجور رغم وفرة الباحثين عن عمل

في الوقت نفسه، شهدت سوق العمل ارتفاعاً في أجور الموظفين الجدد خلال أغسطس (آب)، إذ سجل نمو الرواتب الابتدائية أسرع وتيرة له منذ يناير (كانون الثاني)، كما واصلت أجور العمالة المؤقتة الارتفاع بوتيرة قوية.

ويعود جانب من الضغوط على الأجور إلى المنافسة على أصحاب المهارات العالية والتخصصات النادرة، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة، رغم استمرار زيادة أعداد الباحثين عن فرص عمل.

وأظهر المسح أن عدد الأشخاص الذين يبحثون عن وظائف ارتفع بأسرع وتيرة في ثلاثة أشهر خلال أغسطس (آب)، مع استمرار تأثير عمليات تسريح الموظفين وتراجع فرص العمل والمخاوف المتعلقة بالأمن الوظيفي في زيادة المعروض من العمالة.

ولا تعني عودة التعيينات الدائمة إلى النمو أن سوق العمل البريطانية دخلت مرحلة تعافٍ كامل، إذ ظل إجمالي الطلب على الموظفين في حالة انكماش للشهر الرابع والثلاثين على التوالي. ومع ذلك، كانت وتيرة الانكماش في أغسطس (آب) ثاني الأبطأ خلال نحو عامين، في إشارة إلى أن التدهور بدأ يفقد زخمه.

كما واصلت الوظائف الشاغرة الانخفاض، بينما ارتفع عدد الباحثين عن العمل، وهو ما يؤكد أن التحسن الحالي لا يزال هشاً ولا يكفي وحده لإثبات تحول كامل في سوق العمل.

لندن ووسط إنجلترا يقودان التحسن

اتسم أداء سوق العمل بتباين واضح بين المناطق البريطانية. فقد ارتفعت التعيينات الدائمة في لندن وميدلاندز، بينما تراجعت في جنوب وشمال إنجلترا.

وسجلت ثلاثة من أصل أربع مناطق إنجليزية خضعت للرصد زيادة في فواتير العمالة المؤقتة، تصدرها شمال إنجلترا، في حين كانت ميدلاندز المنطقة الوحيدة التي سجلت انخفاضاً، وإن كان محدوداً.

وعلى مستوى القطاعات، ارتفعت الوظائف الدائمة الشاغرة في قطاعي الهندسة والمحاسبة والمالية، بينما تراجعت في القطاعات الثمانية الأخرى التي شملها المسح. وكان قطاعا التجزئة والفنادق والمطاعم والضيافة من أكثر القطاعات تعرضاً لانخفاض الطلب.

وفي سوق العمالة المؤقتة، سجلت أربعة قطاعات من أصل عشرة زيادة في الوظائف المتاحة، بقيادة وظائف العمالة اليدوية وقطاع تكنولوجيا المعلومات والحوسبة، في حين شهد قطاع الفنادق والمطاعم والضيافة أكبر تراجع في الطلب على العمالة قصيرة الأجل.

ثقة الشركات تبدأ في العودة

وقال الرئيس التنفيذي للمجموعة والشريك الأول في المملكة المتحدة لدى "كي بي إم جي" جون هولت، إن الثقة بدأت في العودة إلى السوق، مشيراً إلى أن الشركات تكيفت مع حالة عدم اليقين العالمية المستمرة، وبنت قدراً أكبر من المرونة في استراتيجياتها.

وأضاف أن أصحاب الأعمال اتجهوا منذ الربيع إلى التوظيف المؤقت لدعم خطط الاستثمار، قبل أن تظهر الآن أولى علامات عودة التوظيف الدائم إلى الارتفاع.

لكن هولت حذر في الوقت نفسه من أن سوق العمل لا تزال في حالة انكماش إجمالاً، مع استمرار انخفاض الوظائف الشاغرة وارتفاع أعداد الباحثين عن العمل، فضلاً عن استمرار بعض الشركات في تأجيل قرارات التوظيف بسبب التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ودعا الحكومة إلى استغلال الموازنة المرتقبة الشهر المقبل لتحويل مؤشرات التحسن المبكرة إلى زخم اقتصادي مستدام، من خلال تقديم خطة واضحة وموثوقة للنمو تمنح الشركات مزيداً من اليقين وتشجعها على الاستثمار والتوظيف.