حققت شركة "إيسار إيروسبيس" الألمانية إنجازاً تاريخياً في قطاع الفضاء الأوروبي، بعدما نجحت صواريخها في الوصول إلى المدار للمرة الأولى، لتصبح أول شركة أوروبية خاصة تنجح في وضع صاروخ تجاري مطور بالكامل من القطاع الخاص في المدار، انطلاقاً من أوروبا.

أطلقت الشركة صاروخها «سبيكتروم» من مركز "أندويا" الفضائي في النرويج، في مهمة حملت اسم "Onward and Upward"، وتمكن الصاروخ من الوصول إلى المدار الأرضي المنخفض ونشر حمولته بنجاح، في خطوة تمثل تحولاً مهماً في مساعي أوروبا لبناء قدرة مستقلة وتنافسية على إطلاق الأقمار الصناعية.

"سبيكتروم".. صاروخ أوروبي بطموح تجاري

ووفقاً للتقرير الذي نشرته "فاينانشال تايمز"، يبلغ طول "سبيكتروم" نحو 28 متراً، وقطره مترين، وصُمم ليكون منصة إطلاق تجارية منخفضة التكلفة قادرة على حمل حمولات تصل إلى 1000 كيلوغرام إلى المدار الأرضي المنخفض.

وحملت المهمة 5 أقمار صناعية صغيرة وتجربة تكنولوجية، جرى إيصالها إلى مداراتها المستهدفة. وشملت الحمولة أقماراً من دول أوروبية عدة، في اختبار عملي لقدرة الصاروخ على تنفيذ عمليات إطلاق تجارية وليس مجرد إثبات قدرته على التحليق.

إنجاز تاريخي.. ألمانيا تطلق أول صاروخ تجاري إلى مدار الأرض - موقع 24أطلقت شركة "إيسار إيروسبيس" الألمانية الناشئة، السبت، أول صاروخ لها إلى الفضاء من موقع في النرويج ضمن المنطقة القطبية الشمالية، مما يُقرب أوروبا من تقديم خدمات إطلاق الأقمار الصناعية من أراضيها، في خطوة وصفتها الشركة بأنها "صنعت تاريخاً أوروبياً"، وفقاً لموقع فرانس 24.

وتكتسب المهمة أهمية إضافية لأنها جاءت بعد محاولة أولى غير ناجحة لصاروخ "سبيكتروم" في عام 2025، عندما تمكن الصاروخ من مغادرة منصة الإطلاق والتحليق لنحو 30 ثانية قبل أن ينتهي الاختبار بسقوطه في البحر. واستفادت الشركة من البيانات التي جمعتها خلال التجربة الأولى في تطوير الصاروخ، والاستعداد للمهمة الجديدة.

خطوة في مواجهة هيمنة "سبيس إكس"

لا يمثل نجاح "إيسار إيروسبيس" مجرد إنجاز هندسي لشركة ناشئة، بل يأتي في إطار سباق أوروبي أوسع لبناء صناعة فضاء تجارية قادرة على منافسة الشركات الأمريكية، وعلى رأسها "سبيس إكس"، التي تهيمن على سوق الإطلاق العالمي.

وتعتمد أوروبا منذ سنوات على عدد محدود من مزودي خدمات الإطلاق، بينما أدى تزايد الطلب على الأقمار الصناعية والاتصالات والمراقبة الأرضية إلى ارتفاع الحاجة إلى صواريخ تجارية أصغر وأكثر مرونة وأقل تكلفة.

ويرى قطاع الفضاء الأوروبي أن امتلاك شركات خاصة قادرة على إطلاق الأقمار الصناعية من الأراضي الأوروبية يمكن أن يقلل الاعتماد على مزودي الإطلاق خارج القارة، ويمنح الحكومات والشركات الأوروبية قدرة أكبر على التحكم في الوصول إلى الفضاء.

الجغرافيا السياسية تعزز أهمية الإنجاز

اكتسبت مسألة الاستقلال الأوروبي في مجال إطلاق الأقمار الصناعية أهمية أكبر خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد المخاطر الجيوسياسية، وتعطل بعض الشراكات الدولية التي كانت أوروبا تعتمد عليها في الوصول إلى الفضاء.

وتنظر المؤسسات الأوروبية إلى القدرة المستقلة على الإطلاق باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية للقارة، خصوصاً أن الأقمار الصناعية أصبحت أساسية في الاتصالات والملاحة ورصد الأرض، فضلاً عن الاستخدامات الدفاعية والأمنية.

وتؤكد المؤسسات الأوروبية أن الوصول المستقل والمرن والتنافسي إلى الفضاء يمثل عاملاً استراتيجياً للاقتصاد والأمن الأوروبي، في وقت تعمل فيه بروكسل على دعم منظومة أوروبية أكثر تنافسية في مجال الإطلاق والخدمات الفضائية.

"إيسار" في قلب سباق الشركات الأوروبية الناشئة

وتأتي "إيسار إيروسبيس" ضمن جيل جديد من شركات الفضاء الأوروبية التي تسعى إلى تغيير نموذج صناعة الإطلاق في القارة، إلى جانب شركات مثل "روكيت فاكتوري أوغسبورغ" الألمانية و"بي إل دي سبيس" الإسبانية و"مايا سبيس" الفرنسية.

وتعمل هذه الشركات على تطوير صواريخ أصغر من الصواريخ التقليدية، مع التركيز على خفض التكلفة وزيادة عدد عمليات الإطلاق، بما يتناسب مع النمو السريع في سوق الأقمار الصناعية الصغيرة.

وفي هذا السياق، حصلت "بي إل دي سبيس" الإسبانية في نهاية أغسطس (آب) على عقد بقيمة 158.9 مليون يورو من وكالة الفضاء الأوروبية لزيادة معدل إطلاق صاروخها "ميورا 5"، في مؤشر على أن أوروبا تحاول بناء أكثر من لاعب قادر على دخول سوق الإطلاق التجاري.

بداية جديدة لصناعة الفضاء الأوروبية

ويرى مسؤولون أوروبيون أن نجاح "سبيكتروم" يمثل أكثر من مجرد مهمة ناجحة، فهو دليل على إمكانية انتقال أوروبا من الاعتماد الكبير على الجهات الحكومية والجهات الخارجية إلى نموذج تشارك فيه شركات خاصة قادرة على تطوير الصواريخ وتشغيلها تجارياً.

وأصبحت "إيسار إيروسبيس" أول شركة أوروبية تصل إلى المدار باستخدام مركبة إطلاق خاصة بها، في خطوة جديدة نحو قطاع إطلاق أوروبي أكثر تنوعاً واستقلالية.

وبينما لا تزال "سبيس إكس" في موقع متقدم بفارق كبير من حيث عدد عمليات الإطلاق والقدرات التقنية وحجم الصواريخ، فإن نجاح "إيسار إيروسبيس" يضع أوروبا على مسار مختلف: بناء سوق إطلاق تجاري متعدد الشركات، يركز في البداية على الأقمار الصناعية الصغيرة والمتوسطة، ثم التوسع تدريجياً نحو قدرات أكبر.