تسعى إيران، التي تعيش في ضغط اقتصادي شديد بسبب الحرب والحصار، إلى بناء نظام مالي موازياً، إذ بدأت في تخفيف جانب من القيود المفروضة على إعادة عائدات الصادرات، ومنحت المصدرين مساحة أوسع لاستخدام أموالهم في الخارج لتمويل الواردات، بالتوازي مع استخدام العملات المشفرة والمنصات المحلية في بعض المعاملات عبر الحدود.

94 مليار يورو عالقة خارج إيران.. وطهران توسع استخدام الكريبتو لتمويل الواردات
نصف مليار دولار تقريباً جُمد في محافظ البنك المركزي.. "تيثر" تكشف حدود الهروب من العقوبات

وذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، الأربعاء، أن البنك المركزي الإيراني أصبح أكثر مرونة في التعامل مع إعادة العملات الأجنبية، بما يسمح باستخدام قنوات بينها "تيثر" وبيتكوين ومنصات تداول إيرانية، كما أصبح بإمكان المصدرين استخدام حصيلة صادراتهم في الخارج لتمويل واردات، بدلاً من إعادتها بالكامل عبر منظومة الصرف الرسمية.

يأتي التغيير في وقت تواجه فيه الحكومة أزمة متراكمة في استعادة عائدات الصادرات، إذ نقلت الصحيفة عن رئيس منظمة التفتيش العامة الإيرانية أن أكثر من 20 ألف فرد وشركة لم يقوموا بتسوية نحو 94 مليار يورو.

الكريبتو في قلب التحول

وفي قلب هذا التحول تأتي العملات المشفرة كإحدى القنوات التي باتت متاحة أمام الشركات الإيرانية لتسوية جانب من معاملاتها خارج النظام المصرفي التقليدي. وبحسب "فاينانشال تايمز"، تسمح المرونة الجديدة للمصدرين باستخدام عائداتهم الموجودة في الخارج، بما في ذلك عبر "تيثر" وبيتكوين ومنصات تداول إيرانية، لتمويل واردات أو تسوية معاملات عبر الحدود، دون الحاجة إلى إعادة الأموال أولاً إلى نظام الصرف الرسمي.

وتمنح العملات المستقرة مثل "USDT" الشركات وسيلة لنقل قيمة مرتبطة بالدولار بين محافظ رقمية دون المرور مباشرة عبر التحويلات البنكية الدولية، فيما تستخدم منصات التداول والوسطاء لتحويل الأموال بين العملات المحلية والأصول الرقمية، أو نقلها إلى أطراف في الخارج.

10 مليارات دولار

وتُظهر بيانات شركة "TRM Labs"، وهي شركة متخصصة في تتبع معاملات الأصول الرقمية، أن النشاط المرتبط بإيران بلغ نحو 10 مليارات دولار خلال 2025، مقابل 11.4 مليار دولار في 2024.

ووفقاً للشركة، تجاوز النشاط الإيراني المصنف على أنه غير مشروع 580 مليون دولار في 2025، أي نحو 5.9% من إجمالي النشاط الذي تمكنت من رصده.

وأضافت أن العملات المستقرة، وفي مقدمتها "USDT" التابعة لـ"تيثر"، استحوذت على الجانب الأكبر من تلك التدفقات.

وامتد استخدام الأصول الرقمية إلى جهات رسمية، وفق شركات تتبع البلوك تشين. وقالت "Elliptic" إنها حددت شبكة محافظ استخدمها البنك المركزي الإيراني للحصول على ما لا يقل عن 507 ملايين دولار من "USDT"، مشيرة إلى أن وثائق مسربة أظهرت عمليتي شراء للعملة المستقرة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2025.

منصات محلية

وتحتل منصات التداول المحلية موقعاً رئيسياً داخل سوق العملات المشفرة الإيرانية، وقالت وزارة الخزانة الأمريكية في يونيو (حزيران) إن منصة "Nobitex"، أكبر بورصة للأصول الرقمية في البلاد، استقبلت أكثر من نصف التدفقات الرقمية الداخلة إلى إيران خلال 2025، مقابل 12% لمنصة "Wallex" و10% لـ"Bitpin".

وكان تحقيق لوكالة "رويترز" للأنباء قد ذكر في مايو (أيار) أن "Nobitex"، التي تقول إن عدد مستخدميها يتجاوز 11 مليوناً، عالجت معاملات مرتبطة بجهات إيرانية خاضعة للعقوبات، بينها البنك المركزي والحرس الثوري.

ونفت المنصة وجود علاقة رسمية بينها وبين الحكومة أو علم إدارتها باستخدام خدماتها للالتفاف على العقوبات.

475 مليون دولار مجمدة

لكن الأموال الموجودة في العملات المستقرة لا تظل بالضرورة بعيدة عن إجراءات العقوبات، ووفق "Chainalysis"، جمدت شركة "تيثر" نحو 475 مليون دولار في محافظ حددتها السلطات الأمريكية على أنها تابعة للبنك المركزي الإيراني، بينها 131 مليون دولار جرى تجميدها بعد إضافة 4 محافظ أخرى إلى العقوبات.

وتقول "Chainalysis" إن الجهة المصدرة للعملة المستقرة تستطيع منع عنوان معين من إنفاق الرصيد أو نقله، وهو ما يجعل هذه العملات مختلفة في هذه النقطة عن بيتكوين، التي لا توجد شركة مركزية تدير شبكتها.

وفي يونيو (حزيران)، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على منصات "Nobitex" و"Wallex" و"Bitpin" و"Ramzinex"، قبل توسيع التحركات في أغسطس (آب) ضد شبكات ومنصات أخرى.

كما حذر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية "OFAC" من أن مؤسسات مالية وأشخاصاً خارج الولايات المتحدة قد يتعرضون لعقوبات عند إجراء معاملات كبيرة مع منصات إيرانية مدرجة على قوائم العقوبات.

ولا تقتصر القنوات التي تستخدمها إيران على الأصول الرقمية، إذ تقول وزارة الخزانة الأمريكية إن الصرافات والوسطاء وشركات الواجهة في الخارج تحرك سنوياً مليارات الدولارات لصالح بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات، فيما قالت في أبريل (نيسان) إن شبكة الظل المصرفية الأوسع سهلت حركة ما يعادل عشرات المليارات من الدولارات.

وبذلك يأتي تخفيف قيود عائدات التصدير بينما تعمل هذه القنوات جنباً إلى جنب مع العملات المشفرة، في وقت توسع فيه واشنطن نطاق الاستهداف من البنوك والصرافات إلى منصات الأصول الرقمية والمحافظ والوسطاء الذين تمر عبرهم الأموال.