بالتزامن مع مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، التي غيّرت شكل السفر الجوي في الولايات المتحدة، تشهد المطارات الأمريكية اليوم بداية النهاية لإجراءات أمنية ظلّت ملازمة لتجربة السفر لعقود، في مقدمتها حظر السوائل، وخلع الأحذية، ومنع غير المسافرين من دخول البوابات.

لا تعيش أمريكا بمعزل عن العالم، فقراراتها الأمنية تعكس طفرة عالمية في الاستثمار بأمن المطارات لمواكبة زحام المسافرين. 
اقتصادياً وأمنياً، ارتفاع أعداد المسافرين يجعل الاعتماد على زيادة الموظفين وحدها أكثر تكلفة، بينما تستطيع الأنظمة الآلية التعامل مع أعداد أكبر ومراقبة نقاط أمنية متعددة بصورة مستمرة.

ويمضي هذا التغيير نحو تقنيات قائمة على الذكاء الاصطناعي والقياسات الحيوية، في محاولة للجمع بين تعزيز الأمن وتسريع حركة المسافرين وتقليل القيود المفروضة عليهم.

ما الوضع الآن؟

أعادت إدارة أمن النقل الأمريكية "TSA" فتح بوابات المطارات أمام بعض غير المسافرين، عبر برنامج "Gateside TSA PreCheck" الذي بدأ تطبيقه في 13 مطاراً، بما يسمح لغير حاملي التذاكر بالمرور عبر التفتيش والوصول إلى البوابات لاستقبال المسافرين أو توديعهم.

كما تجري دراسة استثناء المسافرين المسجلين في البرنامج من حظر حمل زجاجات المياه الممتلئة، في خطوة تمثل بداية التراجع عن قيود تعود إلى عام 2006، عندما أُحبط مخطط إرهابي في بريطانيا لاستخدام عبوات المشروبات لإخفاء مواد كيميائية سائلة.

وتعود إجراءات أخرى إلى محاولات إرهابية سابقة، حيث أدى إخفاء متفجرات داخل حذاء في 2001 إلى فرض خلع الأحذية عند التفتيش، بينما قادت محاولة عام 2009 عبر الملابس الداخلية إلى إدخال أجهزة المسح الجسدي الكامل.

عصر جديد من الإجراءات

غير أن الوضع الحالي يسير نحو تسهيل سفر الركاب، حيث يتم إحلال أجهزة فحص متطورة محل الإجراءات التقليدية المرهقة، إلى جانب حلول أمنية متكاملة توظف الذكاء الاصطناعي لرصد الأنشطة غير المعتادة، وفحص الحقائب، وتحديد الهويات، فضلاً عن الكاميرات الذكية والروبوتات وأجهزة التحليل الحركي.

وقال خبير أمن الطيران "جيف برايس" لـ"BBC" إن أجهزة التصوير المقطعي "CT" تمنح أجهزة الأمن قدرة أكبر على تحليل محتويات الحقائب واكتشاف المتفجرات السائلة.

وعليه، فإن السماح بحمل زجاجات المياه لا يعد تراجعاً في معايير الأمان، بل ينقل عبء الكشف عن المخاطر من كاهل المسافر والموظف إلى الذكاء التكنولوجي للآلة.

وتضيف القياسات الحيوية بُعداً آخر، حيث تتيح أنظمة التعرف على الوجه وبصمة الإصبع وقزحية العين التحقق من هوية المسافر وتقليل الاعتماد على جواز السفر والفحص اليدوي في بعض مراحل الرحلة. 

سوق بمليارات الدولارات

في الواقع لا تعيش أمريكا بمعزل عن العالم، فقراراتها الأمنية تعكس طفرة عالمية في الاستثمار بأمن المطارات لمواكبة زحام المسافرين. 

وبحسب تقديرات نشرتها "Polaris Market Research" في أغسطس (آب) 2026، يرتفع هذا القطاع من 16.6 مليار دولار في 2025 ليلامس 33.7 ملياراً بحلول 2034. 

وفي ظل استحواذ آسيا حالياً على الثلث الأكبر من هذا السوق، تجهز أمريكا الشمالية للسباق القادم بمعدل نمو سنوي مركب 8.9% خلال السنوات المقبلة.

ووفق "Polaris"، شكّل الأمن السيبراني 29.8% من إيرادات سوق أمن المطارات في 2025، ما يكشف تغير مفهوم أمن المطار من حماية المكان والطائرة إلى حماية البيانات والأنظمة الرقمية التي تدير جانباً متزايداً من رحلة المسافر.

ويتزامن ذلك مع تجاوز حركة السفر الجوي العالمية نفسها 9.4 مليار مسافر، بزيادة 2.5% عن مستويات 2019.

لماذا تنفق المطارات أكثر على التكنولوجيا؟

اقتصادياً وأمنياً، ارتفاع أعداد المسافرين يجعل الاعتماد على زيادة الموظفين وحدها أكثر تكلفة، بينما تستطيع الأنظمة الآلية التعامل مع أعداد أكبر ومراقبة نقاط أمنية متعددة بصورة مستمرة.

وبالتالي ينتقل المطار تدريجياً من نموذج يعتمد على الجواز وبطاقة الصعود والفحص اليدوي إلى منظومة رقمية تربط التحقق من الهوية وفحص الأمتعة ومراقبة التهديدات وحركة الركاب.

ويسمح بناء المطارات الجديدة بدمج أنظمة الأمن الحديثة في التصميم منذ البداية، بدلًا من تركيبها ودمجها لاحقاً داخل منشآت قائمة.

لذلك تستعد الهند لإنشاء 80 مطاراً إضافياً خلال خمس سنوات، وتستهدف الصين الوصول إلى 450 مطاراً بحلول 2035، بينها 200 مطار جديد. 

وفي الولايات المتحدة، يختبر هذا التغيير حدود ما يمكن أن تتخلى عنه إجراءات الأمن التي ترسخت بعد 11 سبتمبر (أيلول)، من دون العودة إلى نقطة الصفر.