تتحمل أسواق الحبوب في المنطقة العربية كلفة باهظة جراء الأزمات الجيوسياسية واضطرابات موانئ البحر الأسود، ما رفع كلف الشحن والتأمين ودفع كبار المستوردين وعلى رأسهم مصر، لتحويل مشترياتهم للموانئ الأوروبية بأسعار مرتفعة.

82% من واردات مصر من القمح في النصف الأول من 2026 من روسيا وأوكرانيا، ويعتمد القطاع الخاص على الاستيراد لتغطية أكثر من "نصف" احتياجات السوق.

تزداد حساسية الأزمة في 2026، إذ تواجه روسيا وأوكرانيا اضطراباً في التصدير، وتراجعت قدرة أوروبا على لعب دور المورد البديل، بسبب ضعف محصولها بفعل الحرارة والجفاف.

البحر الأسود هو البوابة الرئيسية لصادرات روسيا وأوكرانيا، لكن الهجمات على البنية التحتية للحبوب والسفن جددت مخاوف الشحنات ودفعت الأسعار للارتفاع.

في مصر، قالت "ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس" إن سعر القمح شاملاً كلفة الوصول إلى شرق المتوسط بلغ مستوى قياسياً عند 301 دولار للطن في أواخر أغسطس (آب)، بينما ارتفعت تكاليف الشحن مع عزوف بعض ملاك السفن عن دخول موانئ المنطقة.

مصر، رغم كونها أكبر منتج عربي للقمح، تظل أكبر مستورد له بسبب الاستهلاك المحلي. وأدى تعثر الشحنات الروسية والأوكرانية في يوليو (تموز) وأغسطس (آب) إلى ضغوط على القطاع الخاص، فيما وفر شراء الحكومة نحو 5 ملايين طن من محصول القمح المحلي حاجزاً للمخزون.

وفي أحدث تحرك لتأمين الإمدادات، أبرمت مصر صفقة لشراء 60 ألف طن من القمح الفرنسي بسعر يقارب 290 دولاراً للطن، شاملة الشحن والتأمين، تصل خلال سبتمبر (أيلول) على سفينتين، بزيادة 73 دولاراً للطن عن القمح الروسي.

تأتي الخطوة ضمن توجه لتأمين 500 ألف طن من فرنسا وبلغاريا وكازاخستان، لتعويض تأثر الواردات الروسية والأوكرانية. وتشير "ستاندرد آند بورز" إلى أن شراء القمح من فرنسا أو رومانيا أو بلغاريا أو أستراليا يعني رحلات أطول وشحناً أعلى.

وخلال النصف الأول من 2026، حصلت مصر على أكثر من 82% من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، ويعتمد القطاع الخاص على الاستيراد لتغطية أكثر من "نصف" احتياجات السوق، مع انخفاض مخزونه مقارنة بالحكومي، وفق "رويترز".

وبلغت تكلفة الشحن من موانئ البحر الأسود الروسية إلى مصر 60 دولاراً للطن في 26 أغسطس (آب)، وفق تقديرات حديثة، بارتفاع حاد وسط المخاوف الأمنية، ما قلص الأفضلية السعرية الروسية عند الوصول إلى مصر.

ولا يقتصر التأثير على السعر والشحن، بل يشمل شروط التعاقد والتمويل. ولجأ "جهاز مستقبل مصر" إلى الدفع النقدي في صفقة القمح الفرنسي، بعد أن كان نظام المشتريات يعتمد تاريخياً على آجال ائتمانية أطول.

82% من واردات القمح مصدرها روسيا وأوكرانيا

تُعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم خلال موسم 2026- 2027، وسط توقعات باستيراد نحو 13.5 مليون طن بزيادة 8% عن المتوسط، رغم انخفاضها 13% عن الموسم السابق، وفق تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية.

فيما تقدر "الفاو" واردات مصر من الحبوب للموسم التسويقي 2026- 2027 بنحو 29 مليون طن بزيادة 30% عن المتوسط، بسبب ارتفاع الطلب على الذرة كعلف. لكن مصر لا تواجه انقطاعاً فورياً أو أزمة حادة، لاسيما مع شراء الحكومة 4.7 مليون طن من القمح خلال موسم التوريد من الفلاحين، الممتد من منتصف أبريل (نيسان) حتى منتصف أغسطس (آب) 2026، بزيادة 20% عن الموسم الماضي.

10.2 مليون طن إنتاج متوقع من القمح

بحسب بيان رسمي للحكومة المصرية، يشهد القمح نمواً مدفوعاً بزيادة المساحات والإنتاجية والتوسع في استنباط وتعميم أصناف عالية الإنتاجية ومتحملة للمناخ، بما يعزز الإنتاج المحلي ويدعم خفض الاعتماد على الواردات.

وتشير تقديرات "الفاو" إلى وصول إنتاج مصر من القمح خلال 2026 إلى 10.2 ملايين طن، لتتصدر الدول العربية، مع تحديد سعر التوريد عند 2500 جنيه بتوجيهات من الرئيس السيسي كحافز للمزارعين.

وفي الأشهر الثمانية الأولى، تصدرت روسيا وأوكرانيا ورومانيا وفرنسا قائمة مصدري القمح إلى مصر، بنسب 58.6% و25.1% و7.2% و3.4% على التوالي.

وتقول "ستاندرد آند بورز غلوبال" إن مصر تملك ما يكفي من القمح لتغطية احتياجاتها حتى فبراير (شباط) 2027، فيما يستطيع المشترون انتظار وصول محاصيل نصف الكرة الجنوبي من أستراليا والأرجنتين. وهذا الهامش يفصل بين أزمة أسعار وأزمة إمدادات.

لكن استمرار اضطرابات البحر الأسود، بالتزامن مع ضعف المحصول الأوروبي وارتفاع تكاليف الشحن وعدم وجود اتفاق آمن للملاحة، يجعل فاتورة القمح مرشحة للبقاء تحت الضغط.

وبالنسبة إلى الحكومات العربية، تبقى الخيارات الاقتصادية محدودة: إما دفع المزيد مقابل الواردات، أو زيادة الإنفاق على الدعم، أو تمرير جزء من الكلفة إلى المستهلك.