أسابيع حاسمة تمر بها سوق الغذاء العالمية نتيجة جفاف يضرب قناة بنما، والذي بدأ يقتطع فعلياً من حركة شحنات الحبوب. فوتيرة عبور السفن تراجعت من 36 إلى 34 سفينة يومياً بدءاً من 3 سبتمبر (أيلول)، ثم إلى 32 سفينة بدءاً من 15 سبتمبر (أيلول).

لا تأتي القيود الجديدة بمعزل عن تجربة قناة بنما خلال 2023 و2024، عندما أدى الجفاف إلى خفض عدد السفن اليومية من 38 إلى 22 سفينة في إحدى المراحل.
خلال أزمة الجفاف السابقة، اضطرت بعض شحنات الحبوب الأمريكية المتجهة إلى آسيا إلى تغيير مسارها عبر قناة السويس، ما أضاف أكثر من 5 آلاف ميل بحري إلى الرحلة ونحو أسبوعين إلى زمن النقل.

كما أبقت السلطات على الحد الأقصى لغاطس سفن "نيوباناماكس" عند 48 قدماً، بعدما كان مقرراً خفضه إلى 47.5 قدماً في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، قبل تأجيل القرار.

ولا تشير هذه الإجراءات وحدها إلى تعطل وشيك للممر، لكن استمرار ضعف الأمطار خلال الأشهر المقبلة قد يفرض قيوداً إضافية في 2027.

وباعتبارها معبراً لـ 5% من التجارة البحرية العالمية بطول 80 كيلومتراً بين المحيطين، يلقي أي تقييد لحركة قناة بنما بظلاله الثقيلة على سلاسل الإمداد وتكاليف النقل، مستهدفاً بالأساس تدفقات الحبوب الأمريكية إلى القارة الآسيوية.

هل تقتنص البرازيل الطلب الآسيوي؟

تشتعل المنافسة بين أمريكا والبرازيل على تصدير المحاصيل إلى آسيا، لكن تعطل حركة الملاحة في قناة بنما ربما يضع الصادرات الأمريكية في موقف صعب، بحسب تقديرات الخبراء، لأنه سيزيد تكاليف نقل الصويا والذرة من الموانئ، وبالتالي سيصبح سعرها مرتفعاً وغير مشجع للمستورد الآسيوي. 

بينما على الجهة المقابلة لا تحتاج السفن البرازيلية المتجهة لآسيا إلى المرور عبر قناة بنما من الأساس، وهو ما يمنح البرازيل ميزة تنافسية كبرى لسحب المشترين الآسيويين من أمريكا.

​وبحسب تحليل نشرته منصة CZAPP المتخصصة في سلاسل الإمداد وتجارة السلع، فإن نجاح البرازيل في الاستحواذ على هذه الحصة يظل مرهوناً بكفاءة موانئها، لأن الإقبال على الشحنات البرازيلية قد يسبب ازدحاماً ويرفع أسعار النقل هناك أيضاً. 

وتزداد هذه المعادلة حرجاً في محاصيل الذرة تحديداً، لأن تكلفة النقل تشكل جزءاً كبيراً من سعرها النهائي، ما يمنح البرازيل ومورّدين آخرين كالأرجنتين والبحر الأسود فرصة ذهبية لانتزاع السوق الآسيوي من أيدي الولايات المتحدة.

"إل نينيو" ترفع مخاطر الإنتاج

يتزامن ذلك مع اشتداد ظاهرة "إل نينيو" المناخية، حيث رجّحت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي بلوغها مستويات شديدة جداً بنحو 97% خلال سبتمبر (أيلول) في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، مع احتمالية وصولها لـ 75% لتصبح الأقوى منذ 1950 في الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول).

وفي الولايات المتحدة، ستكون محاصيل فول الصويا والذرة لعام 2026 في مراحل متقدمة عندما يُتوقع بلوغ "إل نينيو" ذروتها، في حين يتركز اهتمام السوق بصورة أكبر على القمح الشتوي ورطوبة التربة وظروف زراعة محاصيل 2027.

وتوفر إمدادات فول الصويا الأمريكية هامش أمان نسبياً، حيث تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية إنتاج الولايات المتحدة 122.5 مليون طن خلال موسم 2026/2027، بزيادة تقارب 1.2 مليون طن عن تقديراتها السابقة.

وتبدو المخاطر في البرازيل أكثر تعقيداً، لا سيما لمحصول الذرة الثاني "سافرينيا" الذي يُزرع عقب حصاد فول الصويا، لأن أي تأخير في حصاد الصويا يرحّل زراعة الذرة إلى شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، وهما الفترتان الأكثر عرضة للجفاف والصقيع، ما يهدد بإنقاص إنتاج الذرة حتى لو سجل الصويا محصولاً جيداً.

ضغط الطاقة والأسمدة على أرباح المزارعين

بخلاف المحاصيل، تؤثر ظاهرة "إل نينيو" أيضاً في شبكات الطاقة والنقل، حيث يضرب الطقس الحار والجفاف توليد الكهرباء من السدود، فيرتفع الإقبال على الوقود المكلف، في حين تشل الأمطار الغزيرة حركة الشحن والسكك الحديدية.

ويدفع المزارع البرازيلي الفاتورة الأكبر حينذاك، نظراً لاستيراد بلاده 85% من أسمدتها التي قفزت أسعارها 33% منذ مارس (أذار) الماضي. ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الصويا والذرة لن يعني أرباحاً للمنتجين، بقدر ما يعني محاولة لتغطية المصاريف التشغيلية الباهظة.