تواجه بورصة الهند الوطنية، أكبر بورصة للمشتقات في العالم من حيث حجم التداول، اختباراً استثمارياً مع طرح أسهمها للاكتتاب العام بقيمة سوقية مستهدفة تبلغ نحو 46 مليار دولار، في وقت أدى تشديد القواعد المنظمة لتداول الخيارات إلى إضعاف أحد أهم محركات أرباحها.
يأتي الطرح المرتقب بعد سنوات من التأجيل، فيما خفضت البورصة قيمة التقييم المستهدف من مستويات تجاوزت 50 مليار دولار سابقاً، كما قلصت عدد الأسهم المعروضة بنسبة 15%، وسط طلب أقل من المعتاد على الطرح. وبلغت نسبة تغطية الاكتتاب 5.7 مرة، مقابل متوسط بلغ 39 مرة لطرحات الشركات الكبيرة في الهند خلال السنة المنتهية في مارس (آذار)، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز".
46 مليار دولار تحت اختبار السوق
يمنح الطرح المستثمرين فرصة للاستثمار في واحدة من أهم مؤسسات البنية التحتية للأسواق المالية الهندية، إذ تستحوذ البورصة الوطنية على أكثر من 90% من إجمالي تداولات الأسهم في البلاد.
لكن التقييم البالغ 46 مليار دولار يأتي في بيئة أقل ملاءمة لنموذج أعمال يعتمد بدرجة كبيرة على نشاط المشتقات، بعدما بدأت الإجراءات التنظيمية في تهدئة طفرة تداول العقود الآجلة والخيارات بين المستثمرين الأفراد.
وجاء الطلب المؤسسي أقوى من شريحة المستثمرين الأفراد، إذ غطى المستثمرون المؤسسيون الأسهم المخصصة لهم بنحو 12.7 مرة، مقابل 1.3 مرة فقط لشريحة المستثمرين الأفراد.
الخيارات مصدر رئيسي للإيرادات
تمثل خيارات الأسهم نحو 77% من إيرادات المعاملات في البورصة خلال السنة المالية الأخيرة، ما يجعل نتائجها المالية شديدة الحساسية لأي تغييرات تنظيمية تستهدف هذا النشاط.
وخلال العامين الماضيين، شددت هيئة الأوراق المالية والبورصات الهندية قواعد تداول المشتقات، بما شمل قيوداً على مواعيد انتهاء خيارات المؤشرات، وزيادة أحجام العقود، وتشديد متطلبات الهامش وحدود المراكز.
وأدت هذه الإجراءات إلى تباطؤ نشاط التداول، وانعكس ذلك على الأرباح، إذ تراجع صافي ربح البورصة بنسبة 15% خلال السنة المالية المنتهية في مارس إلى نحو 103 مليارات روبية، بما يعادل 1.07 مليار دولار.
من طفرة المشتقات إلى تباطؤ النمو
شهدت البورصة نمواً استثنائياً خلال العقد الماضي مع انتقال ملايين المستثمرين الهنود إلى تداول الأسهم والمشتقات، إذ ارتفع صافي أرباحها بأكثر من 15 ضعفاً خلال تلك الفترة.
لكن الطفرة نفسها خلقت اعتماداً مرتفعاً على نشاط المشتقات، ما يجعل البورصة أمام معادلة مختلفة بعد دخول القواعد التنظيمية الجديدة حيز التنفيذ.
وبالنسبة إلى المستثمرين، لا يتعلق تقييم البورصة بحجمها الحالي فقط، وإنما بقدرتها على الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة في الإيرادات والأرباح مع تراجع النشاط المضاربي في سوق الخيارات.
تاريخ طويل من تأجيل الطرح
تعود محاولات إدراج البورصة إلى عام 2016، لكنها واجهت سلسلة من العقبات التنظيمية والقضايا المرتبطة بإدارة السوق، من بينها تحقيقات بشأن منح بعض المتعاملين وصولاً تفضيلياً إلى أنظمة التداول.
وفي يوليو (تموز)، وافقت البورصة على دفع 155 مليون دولار لتسوية نزاع طويل الأمد يتعلق بالوصول غير العادل إلى أنظمة التداول، ما أزال عقبة مهمة أمام إتمام الطرح، قبل أن تحصل على موافقة تنظيمية نهائية هذا الشهر.
المستثمرون الأجانب أكثر حذراً
ويأتي الطرح أيضاً في وقت تراجعت فيه شهية المستثمرين الدوليين تجاه الأصول الهندية. وانخفض مؤشر "نيفتى 50" القياسي بنحو 10% منذ بداية العام، في ظل توجه بعض المستثمرين العالميين نحو فرص مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغوط التي تعرضت لها العملة الهندية.
ويزيد ذلك من أهمية الطلب المحلي في تحديد نجاح الطرح، خصوصاً أن البورصة تمثل بنية أساسية رئيسية للسوق المالية الهندية وتتمتع بحصة مهيمنة من تداولات الأسهم.
وتمنح هذه المكانة البورصة قاعدة قوية للإيرادات، لكن التقييم النهائي عند 46 مليار دولار سيضع توقعات النمو المستقبلي وقدرة الشركة على تعويض تباطؤ المشتقات تحت الاختبار.