تتجه أوروبا إلى الربع الأخير من 2026 بعجز متوقع في وقود الطائرات يبلغ 510 آلاف برميل يومياً، وفق تقديرات شركة "إنرجي أسبكتس" التي نقلتها "رويترز". وبين ارتفاع فاتورة استيراد الوقود ومحدودية قدرة المصافي على تعويض النقص، تواجه شركات الطيران اختباراً لربحية رحلاتها يتمثل في أسئلة متى تتحمل الكلفة، ومتى ترفع تعرفة التذاكر أو تعيد النظر في تشغيل بعض الخطوط؟
اضطراب الإمدادات القادمة من شرق المتوسط كان الشرارة الأساسية للضغط على سوق وقود الطائرات الأوروبية. وفقاً للدكتورة نور الشماع، الأستاذة المساعدة في جامعة غوتنبرغ ومديرة برامج في التعليم التنفيذي بكلية ستوكهولم للاقتصاد، لكن أوروبا تأثرت بدرجة أكبر، بحسب الشماع، لاعتمادها على الواردات، وعدم كفاية إنتاج مصافيها لتغطية احتياجاتها، إلى جانب انخفاض مخزوناتها الاحتياطية.
ووفق بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي"إياتا"، تستورد أوروبا نحو 60% من استهلاكها من وقود الطائرات، وكان مصدر 25% إلى 30% من طلبها منطقة الخليج. وتكفي مخزوناتها التجارية عادةً لأكثر قليلاً من شهر.
موردون أبعد ومنافسة من الديزل
وأوضحت الشماع أن أوروبا تسعى إلى تعويض نقص وقود الطائرات بالاستيراد من أسواق أبعد، بينها كوريا الجنوبية، لكن طول المسافة يزيد تكاليف الشحن والتأمين. ووفق بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة، التي نقلتها "رويترز"، بلغت واردات أوروبا من الوقود الكوري الجنوبي نحو 129 ألف برميل يومياً منذ بداية سبتمبر وحتى 21 منه.
أما زيادة الإنتاج داخل أوروبا فتواجه، بحسب الشماع، تحدياً آخر، فالمصافي تنتج الديزل ووقود الطائرات، وقد تفضل توجيه جزء من طاقتها إلى الديزل عندما يكون بيعه أكثر ربحية.
وبلغ سعر الديزل في شمال غرب أوروبا 1642.25 دولار للطن في 15 سبتمبر، وفق تقييمات "بلاتس"، المتخصصة في تسعير أسواق الطاقة والتابعة لشركة البيانات والتحليلات المالية "إس آند بي غلوبال"، وترى الشماع أن هذا الحافز الاقتصادي قد يحد من قدرة المصافي على زيادة إنتاج وقود الطائرات لسد النقص.
هامش الربح يحدد مصير الرحلة
ترى الشماع أن أثر التكلفة يختلف من شركة وخط إلى آخر. فعقود التحوط قد تثبّت تكلفة جزء من الوقود لفترة، وتؤخر انعكاس ارتفاع الأسعار على التذاكر. أما إذا اضطرت الشركة إلى شراء الوقود بسعر أعلى، إّذ تتحمل الزيادة وتقبل بهامش ربح أقل، خصوصاً على خط سياحي قد يؤدي رفع سعره إلى تراجع الطلب. وقد ترفع التذكرة عندما يسمح الطلب بذلك.
أما إذا كان الخط ضعيف الربحية، ولم يكن تحمل التكلفة أو رفع السعر مجدياً، إذ تقلص الشركة رحلاته أو توقفه. وعندئذ قد ترتفع أسعار المقاعد المتبقية إذا استمر الطلب عليها. هكذا قد تتغير خريطة الرحلات بحسب ربحية كل وجهة، سواء كانت في الشرق الأوسط أو في أي منطقة أخرى، من دون أن يكون تقليص الرحلات نتيجة محسومة للعجز، بحسب الشماع.
الناقلات الخليجية ضمن خيارات المسافر
وإذا ارتفع سعر رحلة أو قلّت المقاعد على خط معين، فقد يبحث المسافر عن ناقلة أخرى تخدم وجهته، مباشرةً أو عبر محطة عبور، ومنها الناقلات الخليجية. لكن الشماع أوضحت أن قرب هذه الناقلات من مراكز إنتاج الوقود يمنحها أفضلية لوجستية في الإمداد، ولا يضمن سعراً أقل للوقود، فالأسعار وعقود التوريد والتحوط تختلف بين الشركات.
واستشهدت الشماع بطيران الإمارات مثالاً على أثر التحوط في الحد من التعرض لتقلب أسعار الوقود. وكانت الشركة قد أعلنت رسمياً أنها مغطّاة بتحوط الوقود حتى 2028–2029.وفي تصريح لـ"ويترز" في سبتمبر، قال نائب رئيسها والرئيس التنفيذي للعمليات التجارية عدنان كاظم، إن الشركة محمية من تقلبات الأسعار في نحو نصف احتياجاتها، وتسعى إلى الحد من نقل ارتفاع التكاليف إلى المسافرين.
حركة السفر والشحن بين المنطقتين
وشدّدت الشماع على أن المخاوف الأمنية والطلب السياحي يؤثران أيضاً في تشغيل الرحلات بين أوروبا والشرق الأوسط، فلا يمكن عزو أي تغير إلى الوقود وحده. إذ انخفضت سعة المقاعد المجدولة من أوروبا إلى الشرق الأوسط 8.1% في سبتمبر مقارنةً بالشهر نفسه من 2025، وفق "أو إيه جي" المتخصصة في بيانات وجداول الطيران. وإذا تقلصت رحلات الركاب، فقد تقل المساحة المتاحة للبضائع على متنها وترتفع تكلفة شحنها.
وتظهر بيانات "إياتا" انخفاض الطلب على الشحن الجوي بين أوروبا والشرق الأوسط 16.1% في يوليو (تموز) على أساس سنوي، مقابل نمو عالمي 3.9%. ويبيّن التباين خصوصية الضغط على هذا المسار، من دون أن يحدد مقدار ما يعود منه إلى الوقود أو إلى عوامل أخرى.