تعرض الاقتصاد الأمريكي لهزة مزدوجة عقب صدور بيانات اقتصادية مخيبة للآمال ، اليوم الثلاثاء، عززت من مخاوف تباطؤ الزخم الاقتصادي في الولايات المتحدة، ووضعت الدولار تحت ضغوط بيعية في سوق الصرف الأجنبي.

وأظهرت القراءات الأخيرة لإداء الاقتصاد الأمريكي تراجعاً حاداً في مؤشر ثقة المستهلك (CB) الصادر عن "كونفرنس بورد"، بالتزامن مع انكماش غير متوقع في عدد فرص العمل المتاحة (JOLTs)، ما يرسم صورة قاتمة للوضع الراهن والآفاق المستقبلية لأسواق العمل والإنفاق الاستهلاكي. 
صدرت هذه الحزمة المشتركة من البيانات الهامة الثلاثاء، في تمام الساعة 3 مساءً بتوقيت غرينتش، لتبدأ الأسواق المالية فوراً بموجة تقلبات حادة شملت تراجع عوائد السندات والعملة الخضراء.

تراجع ثقة المستهلك 

وسجلت البيانات المعلنة انحرافاً سلبياً كبيراً عن التقديرات التي وضعها خبراء الاقتصاد، إذ تراجع مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي (CB) ليصل إلى 81.9 نقطة مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى 89.2 نقطة والقراءة السابقة البالغة 89.4 نقطة. 
ويعكس التراجع الحاد لثقة المستهلك تنامياً ملحوظاً في مخاوف الأسر الأمريكية بشأن مستويات التضخم المستقبلي وتكاليف المعيشة ومدى استدامة الدخل المتاح للإنفاق.
 وبما أن الإنفاق الاستهلاكي يمثل قرابة ثلثي الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، فإن هذا الهبوط يمثل إشارة حمراء قوية تبشر بتباطؤ النمو الاقتصادي ككل.

 انخفاض عدد الوظائف 

بالتوازي مع ذلك، أظهر مسح فرص العمل والدوران الوظيفي (JOLTs) انخفاضاً حاداً في عدد الوظائف الشاغرة مسجلاً 7.079 مليون فرصة عمل، مقارنة بالتقديرات التي رجحت استقراره عند 7.230 مليون فرصة عمل والقراءة السابقة البالغة 7.271 مليون.
ويشير الانخفاض إلى أن الشركات الأمريكية بدأت في تقليص خطط التوظيف وإعادة هيكلة ميزانياتها لمواجهة تكاليف الاقتراض المرتفعة وضبابية المشهد الاقتصادي، ما يقلص الفجوة التاريخية بين العرض والطلب في سوق العمل التي كان يراها الفيدرالي سابقاً كمحرك أساسي لضغوط الأجور.
وتتأثر أسواق العملات طردياً بمعادلة الفائدة والنمو، والبيانات الصادرة اليوم تضرب الدولار الأمريكي عبر مسارين رئيسيين. يتعلق المسار الأول بتوقعات السياسة النقدية، حيث يمنح التباطؤ في التوظيف وضعف الثقة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المبرر الكافي لتبني نبرة أكثر تساهلاً.
وإذا استمر سوق العمل في التباطؤ، ستتحول الأولوية من محاربة التضخم إلى حماية النمو وتجنب الركود، ما يعني خفضاً أسرع أو أعمق لأسعار الفائدة، ما يقلل من جاذبية العوائد على الأصول المقومة بالدولار.
أما المسار الثاني فترتبط تفاصيله بتراجع شهية المخاطر وعوائد السندات، حيث شهدت عوائد السندات الحكومية الأمريكية قصيرة وطويلة الأجل فور صدور البيانات تراجعاً تصحيحياً، ما أدى مباشرة إلى إضعاف مؤشر الدولار أمام سلة من العملات الرئيسية وعلى رأسها اليورو والين الياباني.

تحذير من مرحلة حرجة 

وكانت حزمة من المؤشرات التي صدرت اليوم أثارت ردود أفعال متباينة بين بيوت الخبرة والمؤسسات المالية العالمية، لكنها صبت في مجملها نحو التحذير من مرحلة انتقالية حرجة للاقتصاد الأمريكي.
 وأشار محللو مجموعة جولدمان ساكس، إلى أن التراجع في قراءة مسح فرص العمل يعد دليلاً ملموساً على أن الفيدرالي قد نجح في تهدئة النمو المفرط لسوق العمل، معتبرين أن استمرار هذا الاتجاه الهبوطي قد يدفع البنك المركزي إلى تسريع وتيرة تيسير السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة لضمان الهبوط الناعم ومنع انزلاق السوق إلى مستويات بطالة مقلقة.
 من جانبه، ركز التقرير الصادر عن قطاع إدارة الثروات في بنك مورجان ستانلي على مؤشر ثقة المستهلك، معتبراً أن هبوط المؤشر إلى دون مستوى 82 نقطة يعكس الفجوة الآخذة في الاتساع بين توقعات "وول ستريت" والواقع المالي للمستهلك على أرض الواقع، مبيناً أن ضعف الثقة سيترجم مباشرة إلى تراجع في مبيعات التجزئة لقطاعات السلع المعمرة في الربع القادم، ما يدعم استراتيجية خفض الانكشاف المباشر على الدولار على المدى القصير.
وفي سياق متصل، أكدت مؤسسة بلاك روك لإدارة الأصول بأن الأسواق بدأت تسعّر سيناريو يقل فيه الدعم الممنوح للدولار كأداة تحوط قائمة على الاستثنائية الأمريكية، مشيرة إلى  أن البيانات تدعم التوجه نحو زيادة الوزن النسبي لأصول الأسواق الناشئة وبعض السندات السيادية الأوروبية كبديل مرن في ظل التراجع التدريجي المتوقع للعملة الأمريكية. 
وفي المقابل، أوضح قسم أبحاث السلع والعملات في مجموعة "إيه إن زد" المصرفية، أن تضافر هبوط فرص العمل مع تراجع معنويات المستهلكين يمثل ضربة مزدوجة للمراهنين على صعود الدولار، متوقعاً أن يواجه الدولار مستويات مقاومة فنية صعبة في الأسابيع المقبلة، خاصة إذا جاءت بيانات الوظائف غير الزراعية القادمة متوافقة مع هذا التراجع.

مفترق طرق 

 وبناء على المعطيات السابقة، فإن  الاقتصاد الأمريكي يقف الآن عند مفترق طرق؛ فالبيانات السلبية هي أخبار جيدة لأسواق الأسهم على المدى القصير لأنها تعني ضغوطاً أقل من جانب الفائدة، ولكنها أخبار سيئة على المدى المتوسط لأنها تؤكد ضعف الركيزة الأساسية للاقتصاد وهي المستهلك والتوظيف. 
وتتجه الأنظار حالياً صوب تصريحات أعضاء الفيدرالي الأمريكي لاستشفاف ما إذا كانت هذه الأرقام ستغير من خريطة طريق أسعار الفائدة المقبلة، وسط بيئة جيوسياسية واقتصادية عالمية شديدة التعقيد.