يتزايد الاهتمام بقطاع التعدين في مصر، بعد نحو ست سنوات من تعديل قانون التعدين، مع خطط لاستثمارات بمئات الملايين من الدولارات، واقتراب شركات استكشاف من تحديد رواسب ذهب قابلة للتطوير التجاري، مدفوعةً جزئياً بارتفاع أسعار المعدن النفيس إلى أكثر من 5 آلاف دولار للأونصة، للمرة الأولى خلال العام، وسط تنامي الطلب على الأصول الآمنة بفعل التوترات الجيوسياسية والتجارية.
وتعتزم شركة "أتون ريسورسز" الكندية تدشين عمليات إنتاج الذهب من موقع "حمامة" التابع لامتياز "أبو مروات" بالصحراء الشرقية المصرية بحلول 2028، بطاقة تشغيلية تتراوح بين 15 و20 ألف أوقية سنوياً.
وتسعى الشركة للوصول بالإنتاج تدريجياً إلى ذروته عند 20 ألف أوقية سنوياً، بما يعادل 622 كيلوغراماً، والاستمرار على هذا المستوى لمدة 5 سنوات، تمهيداً للانتقال إلى توسعات ومشروعات تعدينية أكبر داخل مساحة الامتياز.
بدوره، قال تونو فاك، الرئيس التنفيذي للشركة، إن "أتون ريسورسز" ضخت بين 40 و50 مليون دولار في المشروع حتى الآن، فيما تحتاج إلى ضخ مبلغ مماثل لاستكمال متطلبات خطتها التشغيلية.
إضافة ملموسة.. ولكن!
ويرى سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة"، أن بدء الإنتاج من "حمامة" يمثل خطوة مهمة في تطوير قطاع التعدين، إلا أن حجم الإضافة إلى سوق الذهب يجب قياسه مقارنة بحجم الإنتاج المحلي والتجارة الخارجية.
وقال في حديثه لـ"24" إن إنتاج 20 ألف أوقية سنوياً، بما يعادل 622 كيلوغراماً، يمثل 3.7% من إنتاج مصر الذي قدّرته هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 17 طناً في 2024.
وأضاف أن "المشروع يمثل إضافة حقيقية للمعروض، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحول كبير في السوق"، مشيراً إلى أن التأثير الأوسع سيتوقف على دخول مشروعات أخرى مرحلة الإنتاج التجاري وقدرتها على التوسع والاستمرار.

وعلى صعيد الواردات، أوضح إمبابي أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تقلل الاحتياج إلى استيراد الذهب، بشرط أن يتحول الإنتاج الجديد إلى إمدادات متاحة للمصانع والتجار داخل السوق المصرية.
ووفق بيانات التجارة الدولية لعام 2025، استوردت مصر 10.7 طن من الذهب ضمن البند الجمركي 7108، بقيمة تقارب مليار دولار.
وبالمقارنة الحسابية، يعادل إنتاج "حمامة" المستهدف 5.8% من هذه الكمية، مع اختلاف طبيعة البنود التي تشملها بيانات الواردات، وبالتالي لا تمثل النسبة معدل إحلال مباشر للواردات، على حد قوله.
ومن ثمّ، فإن التوسع في الإنتاج المحلي يمنح مصر فرصة لتعزيز أمن الإمدادات وتقليل جزء من احتياجاتها الخارجية، لكن تحقيق خفض ملموس في الواردات يتطلب زيادة الإنتاج بصورة مستدامة، إلى جانب تطوير قدرات التكرير والتصنيع والتوريد.
وتستهدف الحكومة المصرية رفع إنتاج الذهب إلى 800 ألف أونصة سنوياً بحلول 2030، وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6%، مقارنة بأقل من 1% حالياً. ويتركز معظم إنتاج الذهب المصري في منجم السكري جنوب غربي مرسى علم، الذي تديره "أنغلوغولد أشانتي" بعد استحواذها على "سنتامين" في 2024. وتجاوز الإنتاج التراكمي للمنجم 6.8 مليون أونصة، فيما يبلغ إنتاجه السنوي نحو 500 ألف أونصة.
هل تنخفض الأسعار؟
يشير المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة" إلى أن زيادة الإنتاج المحلي لا تعني بالضرورة انخفاض سعر الذهب للمستهلك، حيث تظل السوق المصرية مرتبطة بصورة أساسية بسعر الأوقية عالمياً وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب تكاليف التداول والتصنيع ومستويات الطلب والعرض المحلية.
وبناءً عليه، فإن ارتفاع الأوقية عالمياً أو تراجع الجنيه أمام الدولار يمكن أن يدفع الأسعار المحلية للصعود حتى مع زيادة الإنتاج المحلي.
خاص 24| الذهب يختبر ثقة المصريين.. هل يصمد كملاذ آمن للمدخرات؟ - موقع 24بعد سنوات طويلة من اعتباره الملاذ الأكثر أماناً لمدخرات المصريين، يبدو أن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب في عام 2026، والذي أعقبه انخفاض بأكثر من 22% خلال الأشهر الأخيرة، سيقود المشهد الاقتصادي لتحولات كبرى، لا سيما بشأن البدائل الاستثمارية التي قد تحمي تلك المدخرات بشكل أكبر.
ماذا تستفيد السوق المصرية؟
وبالنسبة إلى المهندس لطفي المنيب، نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية في مصر، فإن أهمية المشروع الكندي ليست في كمية الذهب التي سيجري استخراجها فقط، وإنما في كيفية توزيع الإنتاج ومدى استفادة الصناعة المحلية منه.
ويقول المنيب لـ"24" إن بدء إنتاج الذهب من منطقة "حمامة" يمثل خطوة إيجابية في اتجاه توسيع قاعدة الإنتاج والتعدين في مصر، موضحاً أن الاستفادة الفعلية للسوق ستتحدد وفق حجم ما يتم ضخه محلياً، إلى جانب نصيب الشركاء الأجانب من الإنتاج، وما يخرج إلى الأسواق العالمية.
ويضيف أن دخول مناجم جديدة إلى مرحلة الإنتاج التجاري يمكن أن يوفر مصدراً إضافياً للخام أمام المصانع والتجار، بما يدعم تدبير احتياجات السوق من الإنتاج المحلي، مشيراً إلى أن اتساع هذا الأثر سيظل مرتبطاً بدخول مشروعات أخرى إلى الإنتاج وقدرتها على التوسع والاستمرار.
وبالتالي فإن نجاح المشروع في دعم السوق المحلية لا يرتبط فقط بالوصول إلى الطاقة المستهدفة، وإنما أيضاً بمدى تحول الإنتاج المستخرج إلى خام متاح للصناعة والتجارة داخل مصر.