حين تضيق مساحة الإنفاق أمام المستهلك بسبب ارتفاع الأسعار، تبدأ قيمة الأشياء القديمة في التغير، فالقطعة التي خرجت من خزانة صاحبها قد تصبح فرصة لمشترٍ يبحث عن سعر أقل، ومصدراً لدخل بائع اكتشف أن الفارق بين سعرها المستعمل وسعرها الأصلي يمكن أن يصنع تجارة كاملة.

مصدر دخل غير متوقع

ترتبط هذه التجارة برغبة المستهلكين في التوفير وتقليل الإنفاق بسبب غلاء المعيشة، وفي الوقت نفسه تمنح إعادة البيع فرصة لتحويل الملابس الموجودة بالفعل إلى مصدر دخل.

وتجسد تجربة الشاب البريطاني سام لوكر (27 عاماً) هذا التحول، إذ بدأ عام 2023 بشراء سترات "رالف لورين" المستعملة عبر منصة "ديبوب" المتخصصة بـ10 جنيهات إسترلينية للقطعة.

وكان لوكر يعيد بيع القطع التي لا تناسب مقاسه عبر المنصة نفسها، ليكتشف أن الفارق بين سعر الشراء وسعرها الأصلي الذي يتجاوز 150 جنيهاً يحقق له ربحاً مجزياً، ما دفعه للتوسع واحتراف هذه التجارة.

ولم يترك لوكر وظيفته في مجال التسويق فوراً، بل كان يدير تجارته في ساعات فراغه المسائية، ومع توسيع نشاطه ليشمل بيع ماركات شهيرة مثل "كارهارت" و"باتاغونيا"، لاحظ أن الأرباح التي يحققها ليلاً أصبحت تتجاوز راتب وظيفته النهارية، ما شجعه على الاستقالة والتفرغ التام للمشروع.

ويبيع لوكر اليوم بين 10 و15 قطعة يومياً، محققاً إيرادات شهرية تتراوح بين 6 آلاف و10 آلاف جنيه إسترليني، بعدما تحول إلى العمل لحسابه الخاص ونظم مخزونه في صناديق مرقمة، واستعان بوالدته لكي الملابس بالبخار.

سوق إعادة البيع يكبر

ويرتبط نجاح تجربة لوكر بزهو سوق إعادة البيع بوجه عام، إذ حققت منصة "فينتد" (Vinted) -أبرز المنصات الأوروبية لتداول الملابس المستعملة بين الأفراد- أرقاماً قياسية، بعدما ارتفعت قيمة السلع المعروضة عليها خلال العام الماضي بنسبة 47% لتصل إلى 10.8 مليار يورو، وزادت إيراداتها بنسبة 38% لتسجل 1.1 مليار يورو.

وكشفت بيانات شركة "فليك" المتخصصة في تجارة الملابس بالجملة أن 60% من البائعين يديرون نشاطهم بدوام كامل أو يسعون للوصول إلى الاحتراف، بينما أكد 76% من المتفرغين أن إعادة البيع تشكل المصدر الرئيسي لدخلهم.

نمو السوق يرفع تحديات التوريد

ومع الإقبال الكثيف على هذا المجال، ظهر تحد جديد يُهدد أرباح البائعين؛ إذ أظهر استطلاع شمل 339 بائعاً في 22 دولة، أن 47% منهم يرجحون أن حدة المنافسة هي العقبة الكبرى، بينما رأى الثلث أن الصعوبة الحقيقية تكمن في العثور على ملابس ذات جودة عالية تُباع بهامش ربح مجز.

ولمواجهة نقص البضائع الجيدة، اتجه البائعون إلى الشراء بالجملة عبر منصات متخصصة مثل "فليك" (Flek) التي توفر حزماً جاهزة لإعادة البيع.

وتعتمد هذه التجارة على سوق فرز وتوريد معقد، إذ يوضح أبي أرورا، الشريك المؤسس للمنصة، أن التجار كانوا يعتمدون سابقاً على أسواق السيارات ومحلات الجمعيات الخيرية، بينما تعتمد شركته اليوم على تجميع الملابس من الغرب وشحنها إلى باكستان والهند، حيث تفرز يدوياً لتحديد الصالح منها للبيع، قبل أن تعمل الشركة حالياً على تطوير أدوات بالذكاء الاصطناعي لتسهيل عملية الفرز.

ووفق تقرير "ذا تايمز"، لفت أرورا إلى أن تزايد كميات الملابس وسرعة الاستغناء عنها والرغبة في استبدالها، إلى جانب رداءة خاماتها وارتفاع تكلفة فرزها، ألقى بعبء ثقيل على مراكز معالجة نفايات المنسوجات في الدول الغربية، والتي باتت تعاني للتكيّف مع هذا التدفق الهائل.

الملابس المستعملة تتحول إلى مشاريع

ومع نمو الإقبال، تحولت بعض التجارب الفردية إلى مؤسسات تجارية كبرى، مثل شركة "ميسينا هيمبري" التي أسسها الشقيقان زاك وجوش هيمبري عام 2012 لبيع قمصان رالف لورين المستعملة من منزل العائلة.

واليوم، تدير الشركة مستودعاً بمساحة 50 ألف قدم مربعة في منطقة سوفولك البريطانية، ويعمل لديها 50 موظفاً، مع توقعات بتحقيق إيرادات تصل إلى 10 ملايين جنيه إسترليني هذا العام.

وتعوّل الشركة في نموها على معالجة كل قطعة مستعملة كمنتج فريد عبر فحصها وقياسها وتصويرها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تخصيص قسم خاص لبيع البضائع بطيئة الحركة بنظام الجملة.

ومع إنتاج نحو 150 مليار قطعة ملابس جديدة سنوياً وفق بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، يظل من المتوقع نمو سوق إعادة البيع وتصريف الفائض، مع تحول جزء من إنفاق الناس نحو شراء المستعمل.