على بعد قرابة 200 كيلومتر من الساحل المصري، وفي مياه يصل عمقها إلى 2800 متر، تراهن مصر وشركة "شيفرون" العالمية على منطقة لم تشهد من قبل حفراً استكشافياً عميقاً، في وقت تبحث فيه القاهرة عن موارد جديدة تعزز الإنتاج المحلي وتخفف فاتورة استيراد الغاز.
وتنص اتفاقية "لوتس" البحرية، الموقعة بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" و"شيفرون"، على استثمارات بحد أدنى 88 مليون دولار، وحفر بئرين استكشافيين، إلى جانب إعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد، لتحديد الفرص الواعدة في المنطقة.
توقيت حرج للطاقة
ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الزقازيق الدكتور السيد خضر، أن الاتفاقية تأتي في "توقيت استراتيجي بالغ الأهمية"، مع الضغوط الناجمة عن تراجع إنتاج بعض الحقول القائمة، ومنها حقل ظهر، وعودة مصر إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة.
ويقول لـ"24" إن الأهمية الاقتصادية تبدأ من تخفيف العبء الاستثماري المباشر، إذ تتحمل شركات الاستكشاف الأجنبية تكاليف المرحلة الاستكشافية وحفر الآبار، بما يحد من المخاطر المالية الفورية على الموازنة.
ويضيف أن أي كشف تجاري جديد قد يسهم في خفض فاتورة الاستيراد بالعملة الأجنبية، وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، والاقتراب مجدداً من تحقيق الاكتفاء الذاتي.
رهان الأعماق
وبحسب خضر، تمثل المياه العميقة في شرق البحر المتوسط إحدى المناطق القادرة على تغيير ميزان الغاز المصري، في ظل وجود تراكيب جيولوجية لم تختبر بالكامل بعد، فيما يمنح موقع "لوتس" غير المحفور عميقاً مساحة لاكتشاف موارد جديدة.
ويعتبر أن نجاح الحفر قد يعزز الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وفي مقدمتها محطتا إسالة الغاز في إدكو ودمياط وشبكة الأنابيب القومية، بما يتيح مستقبلاً تلبية الاحتياجات المحلية وإعادة تصدير أي فائض إلى الأسواق الخارجية.
ويرى خضر أن تخصيص 88 مليون دولار كحد أدنى لحفر بئرين وإجراء الأعمال السيزمية يعكس ثقة "شيفرون" بالفرص الجيولوجية المحتملة، لكنه يشدد على أن الاستثمار يبقى استكشافياً ولا يضمن الوصول إلى كشف تجاري.
مخاطر باهظة
ويلفت إلى أن الحفر في مياه تصل إلى 2800 متر يفرض تحديات هندسية ولوجستية كبيرة، من بينها الضغوط الهيدروستاتيكية، انخفاض درجات الحرارة في قاع البحر، واحتمال الوصول إلى آبار غير تجارية أو "جافة".
ويؤكد أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تبدأ عند تحول أي كشف إلى إنتاج فعلي، لأن ذلك يقلص الإنفاق على استيراد الطاقة والنقد الأجنبي الموجه له.
كما يربط خضر عودة الشركات العالمية للتوسع في الاستكشاف بتحسن العلاقة مع الشركاء الأجانب وسداد المستحقات، معتبراً ذلك عاملاً داعماً لجذب استثمارات إضافية من شركات مثل "إيني"، "شل" و"بي بي".
أبعد من الغاز
ولا يقتصر الأثر المحتمل، وفق خضر، على الطاقة وحدها، فمشاريع الحفر في المياه العميقة تحتاج إلى خدمات بحرية ولوجستية ومقاولين وشركات بترول محلية، بما قد يوفر فرص عمل للكوادر الهندسية والفنية، ويدعم نقل التكنولوجيا والخبرات المرتبطة بإدارة حقول المياه العميقة.
ويرى أن نجاح هذه الاستكشافات قد يعيد تشغيل قدرات الإسالة بكفاءة أعلى ويعزز موقع مصر كمركز لتجارة وتداول الطاقة في شرق البحر المتوسط، لكن ذلك يبقى رهناً بنتائج الحفر وقدرة الاكتشافات المحتملة على الانتقال من البيانات الجيولوجية إلى إنتاج تجاري.