تترقب ردهات التداول في نيويورك أسبوعاً قد يغير الخارطة الاستثمارية للربع الأخير من العام، حيث تجتمع في آن واحد ثلاثة محركات فائقة الأهمية تشمل الإفصاحات المالية لبنوك الصدارة، وبيانات التضخم الأمريكية، والظهور المرتقب لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش.

يأتي هذا الزخم في وقت تعاني فيه أسواق المال العالمية من ضغوط مزدوجة، إذ استقرت عوائد السندات السيادية لأجل 10 سنوات عند مستويات قياسية قرب 5.24%، بالتزامن مع استقرار أسعار النفط العالمية فوق حاجز 103 دولارات للبرميل، ما يضع تقييمات الأسهم المرتفعة على المحك.

موسم الأرباح 

وبعد هدوء نسبي يشهده اليوم الإثنين لغياب البيانات الاقتصادية الكبرى، يفتتح قطاع الخدمات المالية يوم الثلاثاء الستار عن موسم أرباح الربع الثالث، وتكون الأسواق على موعد مع التقارير المالية لعمالقة القطاع المصرفي ممثلة في جيه بي مورغان تشيس، وغولدمان ساكس، وسيتي غروب، وويلز فارغو.

وباتت المعادلة التشغيلية لهذه البنوك أكثر تعقيداً، فرغم أن الفائدة المرتفعة تدعم ظاهرياً هوامش الربح، إلا أن المؤسسات الدولية ترى جانباً مظلماً لهذه السياسة يتمثل في نزيف صافي دخل الفائدة نتيجة ضغط المستهلكين والشركات للحصول على عوائد أعلى مقابل الودائع، ما يلتهم هوامش الإقراض التقليدية للبنوك الكبرى.

علاوة على ذلك، يبرز خطر تفاقم الخسائر غير المحققة، إذ تشير تحليلات النماذج المالية الصادرة عن مؤسسات مثل Fortune إلى أن القفزة الأخيرة في عوائد السندات أدت إلى تضخم الخسائر غير المحققة في محافظ الأوراق المالية الآمنة لدى البنوك لتلامس 500 مليار دولار. 

كما يمتد الحذر نحو مراقبة مخصصات خسائر القروض، خصوصاً في قطاع العقارات التجارية الذي يواجه ضغوطاً هيكلية نتيجة تكلفة التمويل. 

بصيص من التفاؤل 

على الجانب المقابل، تظهر تقديرات مجموعة إل إس إي جي بصيصاً من التفاؤل، إذ يُتوقع أن تسجل الأرباح الإجمالية لشركات مؤشر (S&P 500) نمواً يقارب 30%، مدفوعة بانتفاضة نشاط الاستشارات المالية، وعمليات الدمج والاستحواذ، والطروحات الأولية المرتبطة بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. 

وفي ذات اليوم، ستوفر بيانات مبيعات المنازل القائمة الأمريكية قراءة حية لمدى تأثر قطاع الإسكان بقفزة الفائدة العقارية التي اقتربت من حاجز 8%.

أسعار المستهلكين 

وتصل الإثارة الإحصائية إلى ذروتها يومي الأربعاء والخميس، مع صدور مؤشري أسعار المستهلكين (CPI) وأسعار المنتجين (PPI) لشهر سبتمبر(أيلول)، وهي البيانات التي ستحسم الجدل حول مسار السياسة النقدية القادم.

وتتجه التوقعات المجمعة لمؤسسة ماركت ووتش نحو تسجيل التضخم الرئيسي السنوي صعوداً إلى 3.7%  مقارنة بنسبة 3.4% في القراءة السابقة، في حين يُتوقع استقرار التضخم الأساسي السنوي الذي يستثني تقلبات الطاقة والغذاء عند مستوى 2.5%. ويعزى الارتفاع المتوقع في المؤشر العام  إلى صدمة الطاقة، إذ سجل خام برنت ارتفاعاً قياسياً .

وترى مؤسسة  أبحاث إنفستينغ أن التخوف الحقيقي يكمن في احتمال انتقال عدوى ارتفاع الطاقة إلى قطاع الخدمات الأساسية والإيجارات، فإذا ثبتت إيجابية هذا المكون، فإن التضخم سيبدي عناداً يجبر صانعي السياسة على إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما تحتمله الأسواق، بينما سيكشف مؤشر أسعار المنتجين يوم الخميس عن حجم الضغوط السعرية في خطوط التوريد الخلفية، ومدى قدرة الشركات على تحملها أو تمريرها للمستهلك النهائي لحماية هوامش ربحيتها.

تصريحات وارش 

تتجه الأنظار يوم الجمعة 16 أكتوبر (تشرين الأول) إلى رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي سيجتمع مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا. ويُعد هذا اللقاء أول ظهور عام بارز له في محفل دولي للحديث باستفاضة عن التوجهات المستقبلية للسياسة النقدية، بعد نشر محضر اجتماع سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويقود وارش البنك المركزي بفلسفة صارمة تدعو المستثمرين للتركيز على البيانات بدلاً من التكهنات، تحت شعاره الشهير الذي يطالب فيه بمراقبة الكرة لا الحكم. 

وتأتي تصريحاته لتجيب عن معضلة حقيقية تواجه الأسواق، خاصة بعد أن سجلت بيانات التوظيف لشهر سبتمبر إضافة 29 ألف وظيفة فقط، وهو ما يراه البعض مؤشراً على تباطؤ اقتصادي يستدعي التمهل في رفع جديد  للفائدة.

وتسعر العقود المستقبلية حالياً احتمالية ضعيفة بنسبة تتراوح بين 19% و25%  لقيام البنك برفع الفائدة مجدداً في اجتماع أكتوبر(تشرين الأول)، لكن أي نبرة صقورية حازمة من وارش يوم الجمعة تؤكد إعطاء الأولوية لمحاربة التضخم على حساب نمو الوظائف ستجبر المتداولين فوراً على إعادة تسعير الأصول.

سيناريوهات مفتوحة

ويرى المحللون في سيتي بنك وبي إن بي باريبا أن التفاعل بين أرقام التضخم ونتائج البنوك سيضع الأسواق أمام سيناريوهات مفتوحة، ففي حال جاء التضخم ساخناً، ستندفع عوائد السندات لأجل 10 سنوات لتجاوز قممها الحالية، ما يزيد من تكلفة الفرصة البديلة لأسهم النمو المعرضة لعمليات تصحيح حادة.

وتؤكد مؤسسة مانولايف أن مرونة الأسهم السابقة أمام العوائد المرتفعة قد تصل إلى نهايتها هذا الأسبوع. 

من جهة أخرى، يمتلك الدولار فرصة لتعزيز مكاسبه أمام العملات الرئيسية كاليورو والين إذا ما جاءت نبرة وارش متشددة، وهو سيناريو سيضع الذهب في موقف دقيق، حيث سيتنازعه عاملان هما جاذبيته كملاذ ضد تضخم الطاقة، وضغوط البيع الناتجة عن ارتفاع العوائد الحقيقية للسندات الأمريكية.