أدى فرض السلطات الباكستانية حزمة من القيود المصرفية والإجراءات التنظيمية الصارمة على الواردات القادمة من إيران، إلى تعليق النشاط التجاري بالكامل في منفذ ريمدان-غبد الحدودي، وسط تقارير ميدانية تؤكد تكدس قرابة 3 آلاف شاحنة محملة بالبضائع الإيرانية، في انتظار العبور من المنافذ البرية.

وجاءت الخطوة المفاجئة من جانب إسلام آباد لتعرقل عمليات التصدير الإيرانية، وتدفع المجموعات التجارية إلى البحث بشكل عاجل عن مسارات بديلة لنقل السلع، خاصة في ظل التحديات الحالية التي تواجه الشحن البحري الإيراني.

تكدس الشاحنات

تعكس المؤشرات الرقمية الواردة من المنافذ الحدودية ومجتمعات الأعمال، عمق الأزمة اللوجستية وتأثيراتها المباشرة على حركة التجارة البينية، إذ تكشف البيانات عن تكدس قرابة 3 آلاف شاحنة محملة بالبضائع الإيرانية في طوابير انتظار طويلة للعبور، بينما تحتجز السلطات في الموانئ الباكستانية قرابة 17 ألف حاوية تعود لتجار إيرانيين، عالقة حالياً في ميناء كراتشي.

وتمتد فترة انتظار الشاحنات البرية من 20 إلى 30 يوماً متواصلة، ما يهدد خطة البلدين الاستراتيجية لرفع قيمة التبادل التجاري السنوي المشترك إلى 10 مليارات دولار.

قيود مصرفية

وفق ما أوردته وسائل إعلام إيرانية، وفي مقدمتها صحيفة "ساعت 24" الاقتصادية، فإن الإجراءات الجديدة المفروضة من جانب إسلام آباد باتت تشكل حجر عثرة أمام انسيابية السلع.

وأوضح ممثلون من غرف التجارة الإيرانية أن وزارة التجارة الباكستانية سحبت بصورة مفاجئة أوامر إدارية سابقة كانت تمنح تسهيلات استثنائية لحركة الشحن عبر معبري "غبد-ريمدان" و"تفتان".

وتلزم الإجراءات الباكستانية الجديدة، مستوردي السلع الإيرانية بتقديم نماذج إلكترونية متصلة بالمنظومة المصرفية الرسمية في باكستان، وتكمن المعضلة الأساسية في أن هذه الشروط المصرفية تتزامن مع قيود أمريكية ودولية تمنع عمليات التحويل المالي المباشر مع طهران، ما يجعل امتثال التجار لهذه الإجراءات أمراً شبه مستحيل.

امتثال غير معلن

وفي هذا السياق، يرى مراقبون وخبراء اقتصاد أن هذه الخطوة تعكس امتثالاً غير معلن من النظام المصرفي الباكستاني لسياسة العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، على الرغم من رغبة باكستان المعلنة في الاستفادة من موارد الطاقة والسلع الإيرانية منخفضة التكلفة.

من جهتها، بررت مصادر رسمية باكستانية، عبر تقارير صحفية، القرارات بوجود مخاوف أمنية ملحة، إلى جانب رغبة إسلام آباد في تنظيم التجارة البينية، ومكافحة عمليات التهريب الواسعة، وإرساء منظومة متكاملة لإدارة الحدود وضبط حركة الأموال.

تداعيات ميدانية

تسبب تعليق النشاط التجاري في منفذ ريمدان، الواقع جنوب شرقي محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية، في شلل لوجستي حاد، ورغم أن حركة عبور المسافرين والزوار لا تزال نشطة ولم تتأثر بالقرار، فإن حركة البضائع متوقفة كلياً.

وأسفر توقف الشاحنات لأسابيع عن تداعيات اقتصادية، إذ يواجه التجار خسائر مالية بسبب تلف السلع في مئات المركبات العالقة، المحملة بمواد غذائية سريعة التلف، مثل الفواكه الطازجة والخضراوات والأرز.

قطاع الطاقة

وامتدت الأزمة لتطال قطاع الطاقة، إذ تسبب احتجاز مركبات الغاز المسال (LPG) القادمة من إيران في إطلاق تحذيرات داخل قطاع الطاقة الباكستاني من احتمال حدوث نقص حاد في إمدادات الغاز الموجهة إلى مدينة كراتشي والمناطق الصناعية الأخرى التي تعتمد على المعبر مصدراً أساسياً للطاقة.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة اضطرار الشاحنات إلى الانتظار لأكثر من شهر، ما يزيد كلفة التشغيل وأجور السائقين، فضلاً عن تراجع الكفاءة التشغيلية للمنافذ البرية.

الاختناق البري

تكتسب الأزمة أبعاداً استراتيجية أكثر تعقيداً بالنسبة لطهران، إذ تعاني إيران من قيود تفرضها الولايات المتحدة والقوى الغربية على حركة شحنها البحري وموانئها الرئيسية وخدماتها الجوية، ما دفع الجانب الإيراني خلال السنوات الأخيرة إلى نقل ثقل خطوطه الإمدادية نحو المنافذ البرية مع دول الجوار، خياراً بديلاً لتصريف بضائعه وتأمين النقد الأجنبي.

ومع إغلاق الشريان البري عبر باكستان، يجد المصدرون الإيرانيون أنفسهم أمام خيارات محدودة ومكلفة، إذ بدأت الأوساط التجارية في طهران البحث بشكل عاجل عن مسارات برية أو سككية بديلة عبر دول آسيا الوسطى، رغم طول مسافاتها وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتفريغ.