تحولت السلع الفاخرة التي تعرضت للنهب خلال الاحتجاجات العنيفة في فرنسا إلى أزمة جديدة تُطارد شركات التجارة الإلكترونية، بعدما ظهرت حقائب وساعات ومقتنيات تحمل علامات تجارية عالمية على منصات إعادة البيع، وسط تحركات حكومية لتعقب البائعين ومنع تداول البضائع المسروقة، في وقت يواجه فيه قطاع التجزئة الفرنسي خسائر بمئات ملايين اليوروهات.
وأثارت الإعلانات المشبوهة على منصة "فينتد" (Vinted)، المتخصصة في بيع الملابس والسلع المستعملة، تساؤلات بشأن مصير البضائع المنهوبة من المتاجر الفاخرة، وقدرة المنصات الرقمية على كشف مصدر المنتجات المعروضة، والمسؤولية القانونية التي قد تطال البائعين والمشترين.
متاجر الفخامة في مرمى أعمال النهب
بحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، تعرضت متاجر علامات فاخرة، بينها "لويس فويتون" و"هيرميس"، للنهب خلال أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات الفرنسية يوم السبت الماضي، والتي امتدت إلى عدد من المدن الرئيسية، وألحقت أضراراً واسعة بالقطاع التجاري.
وفي باريس، ذكرت صحيفة "لوموند" أن متجر "سيلين" تعرض لعملية نهب كاملة، بينما لحقت أضرار بواجهات متجري "لويس فويتون" و"جيل ساندر".
أما في مرسيليا، فأفادت وكالة "فرانس برس" بأن أعمال النهب استهدفت متاجر "رولكس" و"هيرميس" و"مون بلان" و"بريتلينغ" و"لويس فويتون"، إلى جانب محال الذهب والمجوهرات والملابس. وفي ليون، طالت السرقات متاجر "هوغو بوس" و"لانسل" و"ذا كوبلز" و"جوت".
ولم تقتصر الأضرار على العلامات الفاخرة، إذ أعلنت مجموعة "غاليري لافاييت" تعرض عدد كبير من متاجرها لتداعيات أعمال العنف، خصوصاً في بوردو ونانت ورين وبربينيان وتور وشامبيري.

من واجهات المتاجر إلى "فينتد"
بحسب صحيفة "لو باريزيان"، ظهرت خلال الساعات الـ48 التالية لأعمال النهب إعلانات لبيع أحذية رياضية وملابس وعطور ومستحضرات تجميل، بعضها لا يزال يحمل بطاقات الأسعار وأجهزة الحماية من السرقة، فيما عرض بائعون منتجات جديدة بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها المعتادة.
ورصدت وسائل إعلام فرنسية حقائب من "سيفورا" مليئة بمستحضرات التجميل، بعضها معروض مقابل يوروهين، إلى جانب أحذية "نايكي" وحقائب تسوق تحمل علامة "غاليري لافاييت"، وقميص لفريق ليل لكرة القدم لا يزال مزوداً بجهاز مضاد للسرقة.
وذكرت إذاعة "آر تي إل" الفرنسية أن أحد الإعلانات حمل وصفاً يشير إلى منتجات "سيفورا" بتاريخ 17 أكتوبر (تشرين الأول)، رغم نفي البائع سرقتها عندما سُئل عن مصدرها.

"فينتد" تتحرك لحذف الإعلانات المشبوهة
أعلنت منصة "فينتد"، أمس الإثنين، تشديد إجراءات الرقابة على الإعلانات المشبوهة وحذف عروض يُشتبه في ارتباطها بالبضائع المنهوبة، مؤكدة اتخاذ خطوات فورية لتحديد المنتجات المخالفة ومنع تداولها.
ونقلت وكالة "رويترز" عن متحدث باسم الشركة قوله: "إن بيع السلع المسروقة، أو طلب الحصول عليها، محظور تماماً على فينتد، ولا نتسامح مطلقاً مع ذلك".
وأوضحت الشركة أن الحسابات التي يثبت انتهاكها للقواعد قد تواجه الحظر الدائم، مشيرة إلى تعاونها مع أجهزة إنفاذ القانون والسلطات الفرنسية، ومواصلة تطوير آليات الكشف عن المخاطر والسلوكيات المخالفة.

الحكومة الفرنسية تتدخل لتعقب البائعين
تدخل الحكومة الفرنسية على خط الأزمة، بعدما طالبت منصات التجارة الإلكترونية بإزالة إعلانات البضائع المسروقة فوراً، والتعاون مع السلطات لتحديد هوية الأشخاص الذين يحاولون إعادة بيعها.
وبحسب صحيفة "لوموند"، استدعت الحكومة ممثلين عن منصات "فينتد" و"أمازون" و"إيباي" و"لوبونكوان" و"ميتا" و"تيك توك"، بحضور مسؤولين من وزارات الداخلية والعدل والجهات المعنية بالتجارة والرقابة على الأسواق.
وأكدت وزيرة الشؤون الرقمية آن لو هينانف، ووزير التجارة سيرج بابان، أن السلطات لن تتسامح مع إعادة بيع المسروقات، وأن المنصات مطالبة بالتعاون الوثيق مع أجهزة الدولة لضمان ملاحقة المتورطين.

سوق بمليارات الدولارات
تأتي أزمة البضائع المنهوبة في وقت يشهد فيه سوق إعادة بيع السلع الفاخرة في فرنسا نمواً متسارعاً، إذ قدّرت مؤسسة "كين ريسيرش" (Ken Research) حجم سوق المنصات الإلكترونية لإعادة بيع المنتجات الفاخرة في البلاد بنحو 1.65 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 3.02 مليارات دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي يبلغ 10.6%.
وعالمياً، كشف تقرير مشترك صادر عن مجموعة "بوسطن كونسلتينغ غروب" ومنصة "فيستيير كولكتيف" في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أن سوق إعادة بيع الأزياء والسلع الفاخرة يتراوح بين 210 و220 مليار دولار، وقد يصل إلى 360 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعاً بزيادة الطلب على الحقائب والمجوهرات والمنتجات ذات القيمة المرتفعة.

خسائر تتجاوز قيمة البضائع المسروقة
اقتصادياً، لا تقتصر تداعيات أعمال النهب على قيمة السلع المفقودة، بل تمتد إلى تكاليف إصلاح المتاجر والواجهات الزجاجية، وتعطل النشاط التجاري، وتعزيز إجراءات الأمن والحماية، فضلاً عن مطالبات التأمين.
ووفقاً لصحيفة "لوموند"، تحدث ممثلو قطاع التجارة عن خسائر بمئات ملايين اليوروهات عقب أعمال العنف، في وقت بدأت فيه المتاجر المتضررة حصر الأضرار وإعادة تأمين منشآتها.
وتضع الأزمة شركات التجارة الإلكترونية أمام اختبار يتجاوز حذف الإعلانات المخالفة، إلى قدرتها على التحقق من مصدر السلع، وحماية المشترين، ومنع تحول أسواق المنتجات المستعملة إلى قنوات لتصريف المسروقات، بالتزامن مع سعي قطاع التجزئة الفرنسي إلى احتواء خسائره واستعادة نشاطه.