بعد استهداف الممرات البحرية وتشديد الحصار الجوي، تركز واشنطن حالياً على إغلاق الطرق التجارية البرية المتبقية لإيران، وتحديداً عبر تنسيق وضغوط أمريكية مباشرة مع تركيا وباكستان لتقييد حركة البضائع عبر الحدود.

وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية وزارة الخزانة الأمريكية تحت مسمى "عملية المنبوذ الاقتصادي"، والتي أعلن عنها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت. وتهدف إلى الانتقال من مفهوم "الضغط الأقصى" إلى "العزل الكامل والقسري" عبر تصفية النوافذ الرمادية التي سمحت للاقتصاد الإيراني بالتنفس طوال السنوات الماضية.

 وتتحرك الإدارة الأمريكية وفق مبدأ "التسامح الصِفري" لإغلاق ما تصفه بـ "الجيوب الاقتصادية المتبقية" في وقت حرج يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من أزمة خانقة تؤكدها البيانات الدولية التي ترصد انهيار مؤشراته الأساسية جراء الحصار المتواصل.

محاصرة الحدود البرية  

تمثل الحدود البرية لإيران مع جيرانها، وخاصة تركيا وباكستان، قنوات حيوية للالتفاف على العقوبات الغربية ولتأمين السلع الأساسية والمواد الخام والصادرات غير النفطية.

وتدرك واشنطن أن تشديد الخناق على الموانئ البحرية وحظر الخطوط الجوية يدفعان طهران بطبيعة الحال نحو الاعتماد الكلي على شبكات النقل البري وسلاسل الإمداد اللوجستية عبر الحدود المشتركة، ولذلك تضغط وزارة الخزانة الأمريكية بقوة على تركيا وبإجراءات موازية على باكستان لفرض قيود جمركية صارمة وتدقيق شامل على الشاحنات وحركة البضائع لمنع تهريب النقد الأجنبي والذهب والسلع ذات الاستخدام المزدوج.

 وكانت باكستان، عملت خلال اليومين الماضيين على أغلاق المنفاذ الحدودية التجارية مع إيران مع فرض قيود جمركية صارمة على الصادرات والواردات من إيران في خطوة وصفت بأنها تنفيذاً للعقوبات الأمريكية .

تفكيك الاقتصاد الرقمي 

ويبرز تفكيك الاقتصاد الرقمي الموازي كأحد أهم العناصر المتبقية والجاري تنفيذها قسرياً في خطة الوزير سكوت بيسنت، فبعد لجوء النظام الإيراني والشركات المرتبطة بالحرس الثوري إلى الأصول المشفرة كأداة بديلة لنظام "سويفت" الدولي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن تتبع واستهداف هذه الشبكات، حيث كشف وزير الخزانة الأمريكي أن واشنطن تتحرك لمصادرة نحو مليار دولار من العملات المشفرة التابعة لشبكات التمويل الإيرانية خارج النظام المصرفي بعد تحديد مواقعها الرقمية.

 كما اتخذ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي إجراءات قانونية صارمة ضد منصات رقمية وكيانات تابعة لرجال أعمال مرتبطين بالنظام مثل إدراج منصة "BitBank" وشركات برمجيات تابعة لها والتي اتهمتها واشنطن بنقل مئات الملايين من الدولارات عبر "البتكوين" لصالح الحرس الثوري الإيراني، بالتوازي مع رفع وزارة العدل الأمريكية دعاوى مصادرة مدنية ضد أصول مشفرة تتجاوز قيمتها 61 مليون دولار في قضايا كشفت أن شبكات رقمية في الصين أدارت حسابات تداول عبر منصات كبرى لتسييل ما قيمته 1.5 مليار دولار من عائدات مبيعات النفط الإيراني في السوق السوداء.

ضربة قاصمة 

وفي سياق متصل، أثبت الحصار البحري الأمريكي لخطوط الملاحة الإيرانية كفاءة عالية، ورغم نجاح إيران التاريخي في بيع قرابة 90% من نفطها لجمهورية الصين الشعبية عبر ما يُعرف بـ "أسطول الظل"، إلا أن الإجراءات التنفيذية العسكرية والاقتصادية الأخيرة وجهت ضربة قاصمة لهذه التدفقات.

وتُشير بيانات تتبع الناقلات النفطية الدولية إلى أن الصادرات النفطية الإيرانية المتجهة إلى الصين انخفضت بشكل حاد من 980 ألف برميل يومياً في أغسطس(آب) لتصل إلى 475 ألف برميل يومياً فقط في سبتمبر (أيلول)، مع توقف شبه كامل للوصول للشواطئ الصينية بنهاية الشهر.

 وتتوعد الخزانة الأمريكية بفرض حزمة عقوبات ثانوية غير مسبوقة تستهدف المصافي الصينية المستقلة والمصارف الإقليمية الصينية الصغيرة التي تسهل هذه المعاملات، حيث أكد بيسنت علانية أن لا أحد فوق العقوبات الأمريكية، مما أجبر كبار المشترين في الصين على البدء بالبحث عن بدائل نفطية من دول مثل العراق لتجنب المقاطعة الأمريكية.

تجفيف مصادر التمويل 

وتتكامل هذه الخطوات مع استهداف تجفيف ما تبقى من حسابات مراسلة للمصارف الإيرانية التي كانت تمثل متنفساً مالياً لطهران، حيث تشمل العقوبات المباشرة حالياً فروع بنك "ملي" الإيراني ومؤسسات مالية أخرى لقطع أي نافذة مصرفية متبقية تستخدم لتمويل الواردات أو غسيل الأموال، وبالتوازي مع العزل المالي والجغرافي للبضائع.

وفرضت الإدارة الأمريكية قيوداً على قطاع الطيران لفرض حجر جغرافي كامل على مسؤولي النظام والحرس الثوري وعائلاتهم، ويهدف هذا الإجراء إلى منعهم من السفر إلى العواصم الأوروبية أو الوصول إلى أصولهم العقارية والشخصية في مدن مثل لندن وباريس وجنيف، ما يشكل ضغطاً معنوياً ونفسياً مباشراً على النخبة الحاكمة.

صورة قاتمة 

وترسم التقارير الصادرة عن المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية صورة قاتمة جداً للأثر المباشر الذي أحدثته حملة العزل الكامل على الداخل الإيراني، حيث يؤكد البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي الأخير لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن الصراع المستمر والحصار البحري المفروض على الصادرات الإيرانية أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة بلغت 10% نتيجة الانهيار الحاد في صادرات الطاقة وعائداتها.

وتشير البيانات المسجلة لصندوق النقد الدولي والمؤشرات الإحصائية المتقاطعة إلى أن معدل التضخم السنوي في إيران قفز إلى 73.6%، وهو المستوى الأعلى الذي تسجله البلاد منذ أكثر من ثمانية عقود.

 كما سجلت أسعار المستهلكين مستويات قياسية بزيادة تجاوزت 89.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما قفز تضخم قطاع الأغذية والمشروبات بنسبة بلغت 121.1%، مما أدى إلى تآكل كامل للقدرة الشرائية للمواطنين ودفع بقطاعات واسعة من السكان نحو خط الفقر المدقع.

 وتهاوت العملة المحلية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة أمام الدولار الأمريكي في السوق الحرة وسط عجز البنك المركزي الإيراني عن التدخل للاستقرار نظراً لتجميد أصوله وتراجع تدفقات النقد الأجنبي إلى مستويات سلبية.

معضلة وجودية 

وتثبت المعطيات الحالية أن الولايات المتحدة نجحت في تحويل استراتيجيتها الاقتصادية تجاه إيران من أداة ضغط سياسي إلى حصار شامل، ومع التوجه الأمريكي الجاد لغلق الطرق البرية المتبقية عبر تركيا وباكستان، ومصادرة الأصول الرقمية الموازية، يواجه النظام الإيراني معضلة وجودية غير مسبوقة.

 وتؤكد تقارير صندوق النقد والبنك الدوليين أن الاستمرار في هذا المسار دون إيجاد حلول سياسية سيقود الاقتصاد الإيراني نحو حالة من الركود التام وتحويل البلاد إلى اقتصاد معزول تماماً عن النظام المالي العالمي واللوجستي.