تتجمع في الأفق ملامح "عاصفة كاملة" تنذر بأزمة جديدة تضرب أسعار المواد الغذائية حول العالم، مدفوعة بتشابك معقد يجمع بين أزمات الطاقة، واختناقات سلاسل إمداد الأسمدة، وضربات الظواهر المناخية القاسية، وفي وقت تحذر فيه المؤسسات الدولية من تداعيات كارثية على الفئات الأكثر فقراً.
محركات الأزمة
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن تقرير حديث صادر عن مؤسسة "إس أند بي غلوبال" قوله إن العالم بصدد مواجهة ضغوط تضخمية غير مسبوقة على السلع الغذائية، نتيجة تضافر 3 عوامل رئيسية.
أولاً: القفزة الحادّة في أسعار الديزل بوصفه المحرك الأساسي للقطاع الزراعي في تشغيل الآلات، مضخات الري، ووسائل النقل، وتعرض الديزل لهبوط حاد في الصادرات جراء الحرب الإيرانية، وكذلك الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية.
الأمر الثاني يتمثل في اختناقات إمدادات الأسمدة، إذ كشف إغلاق مضيق هرمز عن دوه في تأمين الأسمدة ومدخلاتها مثل اليوريا، الأمونيا، والكبريت، ورغم تراجع أسعار الأمونيا بفضل بدائل إقليمية، إلا أن الكبريت ما زال يعاني اختناقات حادة، دفعت أسعاره للقفز بنحو 70% في سبتمبر (أيلول) الماضي مقارنة بيناير (كانون الثاني) الماضي.
وأخر هذه العوامل ظاهرة "النينيو" المناخية، حيث تتبلور الظاهرة حالياً لتكون الأقوى، متسببة في أمطار غزيرة وفيضانات بمناطق، وجفاف وموجات حر حارقة بمناطق أخرى.
وتخشى "إس أند بي" أن المحاصيل الضعيفة أساساً بسبب تقليل المزارعين لاستخدام الأسمدة نتيجة لارتفاع أسعارها لن تكون قادرة على الصمود أمام درجات الحرارة القياسية.
مساراً خفياً
وأدى ارتفاع كلفة الأسمدة إلى إحجام المزارعين عن استخدامها بالنسب المطلوبة، ما أفضى بالتبعية إلى تقليص المحاصيل المستقبلية وانكماش المساحات المزروعة في عواصم الإنتاج الكبرى؛ حيث سجلت بيانات المؤسسة تراجعاً ملحوظاً في مساحات الذرة بأوروبا، والصويا بالبرازيل، والقمح في أستراليا.
ورغم ذلك، يرى المحللون أن انتقال هذا الارتفاع إلى مستهلكي الدول الكبرى كـالولايات المتحدة ربما يتخذ مساراً خفياً وبطيئاً؛ إذ يقول دانيال يورجين، نائب رئيس "إس أند بي غلوبال" والمؤرخ البارز في شؤون الطاقة، "إن أزمة الطاقة تظهر فوراً وعلى نحو مفاجئ على الشاشات، في حين أن أزمة الغذاء تتكشف وتتطور ببطء، مع تعاقب الفصول".
طوق النجاة
ويؤكد خبير الاقتصاد الزراعي الدكتور أشرف كمال أن دول الشرق الأوسط تساهم بشكل بارز في صناعة الأسمدة المرتبطة بالعمليات الزراعية، مشيراً إلى أن تداخل عوامل الصراع الإقليمي والتغيرات المناخية ينذر بآثار بعيدة المدى على الإنتاج الزراعي.
وأوضح كمال لـ24 أن تداعيات الحرب الإيرانية أعقبت هزة واضحة في مؤشر أسعار الغذاء العالمي، مذكراً بالسيناريو المماثل الذي خلفته الحرب الروسية-الأوكرانية على أسواق الحبوب، نظراً لكون الدولتين منتجتين لأكبر حصة من القمح العالمي، مما يضاعف الضغوط الحالية على منظومة الأمن الغذائي.
وفي مواجهة هذه التحديات الهيكلية، يرى الدكتور أشرف كمال أن الحل الجذري يكمن في التكامل الزراعي العربي؛ من خلال توظيف الفوائض المالية لدى بعض الدول العربية للاستثمار في دول أخرى تمتلك مساحات شاسعة وأراضي صالحة للزراعة، بما يتيح تشكيل مخزون عربي موحد لمواجهة الأزمات الطارئة.