في مفارقة لم تكن متوقعة قبل عام، باتت قطر، أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، واحدة من أبرز المشترين للغاز الأمريكي، بعد أن وقّعت "قطر للطاقة" واحدة من أكبر اتفاقيات الغاز المسال في تاريخ الولايات المتحدة، وتقترب من صفقة ثانية، في تحول يعيد رسم موقعها في سوق الطاقة العالمية.
صفقتان في أسبوع واحد
وفقاً لوكالة "رويترز"، وقّعت "قطر للطاقة"، الخميس، اتفاقية لشراء 4 ملايين طن سنوياً من الغاز المسال من شركة "شينير إنرجي"، أكبر مصدّر أمريكي، في الفترة من 2031 حتى 2054. ويأتي نصف الكمية من منشأة "سابين باس" في لويزيانا، والنصف الآخر من محطة "كوربوس كريستي" في تكساس، فيما يرتبط مليون طن منها بقرار استثماري نهائي لتوسعة "سابين باس".
وبحسب الوكالة، تجري الشركة القطرية مفاوضات في مرحلة متقدمة مع "فينتشر جلوبال" لشراء 3 ملايين طن سنوياً على الأقل، وهي المورد الأمريكي الذي يملك أكبر طاقة إنتاجية غير متعاقد عليها، بنحو 10 ملايين طن سنوياً، وفق بيانات شركة الأبحاث "رابيدان إنرجي".
"قطر للطاقة" تبرم اتفاقاً ضخماً مع شركة أمريكية لتوريد الغاز المسال - موقع 24وقعت شركة "قطر للطاقة" الخميس إحدى أكبر اتفاقيات الغاز الطبيعي المسال في تاريخ الولايات المتحدة لشراء 4 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال من شركة "شينير إنرجي" الأمريكية.
لماذا تشتري قطر الغاز؟
تكمن الإجابة في مدينة رأس لفان، القلب النابض لإنتاج الغاز الطبيعي في قطر، إذ ألحقت الضربات الإيرانية في مارس (آذار) أضراراً باثنين من خطوط الإنتاج الأربعة عشر في المجمع، ما أخرج 12.8 مليون طن سنوياً من الطاقة الإنتاجية من الخدمة، وفقاً للرئيس التنفيذي لـ"قطر للطاقة" سعد الكعبي، مع تقديرات بأن تستغرق الإصلاحات ما بين 3 و5 سنوات.
وتجدد الشركة إعلان القوة القاهرة شهرياً منذ مارس، فيما يبقى إغلاق مضيق هرمز عقبة أمام صادراتها. وفي الأثناء، اضطرت إلى شراء عشرات الشحنات الأمريكية من السوق الفورية للوفاء بالتزاماتها، خاصة تجاه آسيا، التي تستقبل نحو 80% من صادراتها.
من الشراء الفوري إلى العقود الطويلة
يكشف التحول من الشحنات الفورية إلى العقود الممتدة حتى 2054 قراءة قطرية مختلفة للأزمة.
ويرى سول كافونيك، رئيس أبحاث الطاقة في "إم إس تي ماركي"، أن هذه الخطوة "تشير إلى أن قطر ترى أن اضطراب مضيق هرمز قد يستمر لفترة أطول"، بحسب "رويترز".
3 مزايا اقتصادية للعقود الجديدة
- كلفة مرتبطة بالسوق الأمريكية:
تُسعّر الصفقة على أساس مؤشر "هنري هب" الأمريكي، مضافاً إليه رسم تسييل ثابت. ويتداول الغاز الأمريكي قرب 3.3 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في حين تجاوزت أسعار الغاز الأوروبي 85 يورو لكل ميغاواط ساعة منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، وفقاً لبيانات "ترايدينغ إيكونوميكس"، وهو فارق يتيح هامش ربح واسعاً لمن يشتري في أمريكا ويبيع في أوروبا وآسيا.
- الهروب من تقلبات السوق الفورية:
يحمي التعاقد طويل الأجل الشركة من الأسعار الفورية المرتفعة، التي كانت تضغط على هوامشها عند شراء الشحنات لتغطية التزاماتها.
يُشحن الغاز من موانئ تكساس ولويزيانا، ما يتيح توجيهه إلى أوروبا وآسيا، دون المرور بالخليج أو مضيق هرمز.
بريطانيا تتوقع 4 مليارات دولار من مشروع غاز بحر الشمال - موقع 24من المتوقع أن يبدأ حقل "جاكدَو" للغاز الطبيعي في بحر الشمال إنتاجه خلال شتاء 2026، بما يتيح لبريطانيا إضافة مصدر جديد للإمدادات المحلية خلال أشهر، فيما يُرجح أن يسهم المشروع بنحو 4 مليارات دولار من المنافع الاقتصادية، وأن يمثل 6% من إنتاج الغاز المحلي، عند بلوغه ذروة الإنتاج.
تنويع مؤشرات التسعير
ويمتد الأثر إلى ما بعد الأزمة. فعقود قطر التقليدية ترتبط غالباً بأسعار النفط، بينما تضيف العقود الجديدة مؤشر الغاز الأمريكي إلى محفظتها، ما يوزع مخاطر التسعير بين مؤشرين مختلفين، ويحمي هوامشها إذا تباعدت أسعار النفط والغاز مستقبلاً.
وفي المحصلة، حولت قطر أزمة رأس لفان إلى فرصة لإعادة بناء نموذج أعمالها: من منتج يعتمد على حقل واحد وممر بحري واحد، إلى متداول عالمي يملك مصادر إمداد على ضفتي الأطلسي. وبين الحفاظ على ثقة عملائها الآسيويين والاستفادة من الفارق السعري بين الأسواق، تؤمّن الدوحة موقعها في سوق الغاز للعقود الثلاثة المقبلة، أياً كان مصير المضيق.