كسر الجنيه المصري حاجز الـ56 مقابل الدولار، مدفوعاً بعاصفة من الضغوط متعددة الأبعاد؛ فبينما تتوالى تداعيات التوترات الإقليمية وتتصاعد فاتورة واردات الطاقة، تلوح في الأفق مخاوف حقيقية من انزلاق العملة المصرية نحو مستويات حرجة قد تلامس 60 أو 70 جنيهاً، بالتوازي مع تخارج ملحوظ لرأس المال الأجنبي قصير الأجل.
ودفع هذا المناخ الإعلامي المصري عمرو أديب، أمس الإثنين، للتحذير من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مشيراً إلى الارتفاع السريع للدولار خلال أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وما يترتب عليه من ضغوط على أسعار السلع وزيادة الأعباء المعيشية، مطالباً الحكومة بتدابير عاجلة تشمل زيادة ضخ السلع المخفضة أو تجميد سعر الدولار الجمركي.
في الاتجاه نفسه، دعا الإعلامي محمد علي خير إلى مراجعة حاسمة لفاتورة الاستيراد، وقصر استخدام العملة الصعبة على الأغذية والأدوية والمحروقات ومستلزمات الإنتاج التي تسهم في توليد إيرادات دولارية، محذراً من استنزاف النقد الأجنبي في سلع يمكن الاستغناء عنها أو توفير بدائل محلية لها.
خروج الاستثمارات يضغط على الجنيه
وفي هذا الشأن، يرى عاصم منصور، الخبير الاقتصادي ورئيس الأبحاث للمنطقة العربية في شركة "HFM"، أن الارتفاع الحالي للدولار يعكس بصورة أساسية ضغوطاً مؤقتة على الطلب على العملة الأجنبية، أكثر من كونه تدهوراً هيكلياً في أساسيات الاقتصاد المصري.
ويوضح في حديثه لـ"24" أن الدولار ارتفع من 52.3 جنيه مطلع أكتوبر (تشرين الأول) إلى مستوى قياسي بلغ 56.35 جنيه، وهي حركة سريعة يقف وراءها بشكل رئيسي خروج جزء من استثمارات الأجانب في أذون الخزانة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما رفع فاتورة الاستيراد وزاد الطلب على الدولار.
مصدات قوية
في المقابل، يشير منصور إلى امتلاك مصر "مصدات قوية"، على حد تعبيره، من بينها احتياطي نقد أجنبي يتجاوز 57 مليار دولار، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج بأكثر من 27% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، إلى جانب قوة الإيرادات السياحية واستمرار برنامج صندوق النقد الدولي، فضلاً عن رفع وكالة "موديز" التصنيف السيادي لمصر هذا الشهر.
هل يتوقف الدولار عند 60 جنيهاً؟
بناءً على هذه المعطيات، يتوقع منصور تحرك الدولار بين 55 و58 جنيهاً خلال الفترة المقبلة، مع احتمال اختبار مستوى 60 جنيهاً إذا استمر خروج الاستثمارات قصيرة الأجل بالوتيرة نفسها، وظلت أسعار النفط مرتفعة أو اتسعت التوترات الجيوسياسية.
أما تجاوز 70 جنيهاً، فيراه الخبير الاقتصادي مستبعداً في الظروف الحالية، معتبراً أن الوصول إلى هذا المستوى يتطلب صدمة كبيرة ومتزامنة، مثل توقف تدفقات النقد الأجنبي الرئيسية أو تعثر برنامج صندوق النقد الدولي، وهي تطورات لا تشير إليها البيانات المتاحة حتى الآن.
من جانب آخر، يشير عاصم منصور إلى حزمة مؤشرات رئيسية ترسم ملامح سعر الصرف قريباً، أبرزها حركة الأموال الساخنة في أذون وسندات الخزانة، وأسعار الطاقة العالمية، والفجوة الفيدرالية والمحلية لأسعار الفائدة، والتوجهات النقدية للبنك المركزي، إلى جانب الاستقرار الإقليمي وعوائد السياحة والتحويلات الخارجية.
وخلص منصور في نهاية حديثه إلى أن مرونة سعر الصرف تمثل أداة وقائية لامتصاص الصدمات قبل تفجرها، وتلعب دوراً حاسماً في الحد من احتمالات عودة السوق الموازية للعملة.
الحرب ترسم السيناريو الأصعب
من جانبها، تستبعد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس عودة الدولار إلى مستويات 47 أو 48 جنيهاً، مرجحة استمرار الاتجاه الصعودي مع احتمال بلوغه 60 جنيهاً خلال الفترة المقبلة.
لكنها حذرت في حديثها لـ"24" من سيناريو أكثر حدة إذا طال أمد الحرب وامتدت تداعياتها إلى مصر، مشيرة إلى أن ذلك قد يدفع الدولار إلى تجاوز 70 جنيهاً، مع انفتاح المجال أمامه آنذاك إلى مستويات أعلى.
وترى الخبيرة الاقتصادية أن احتواء الضغوط يظل ممكناً إذا نجحت الدولة المصرية في زيادة موارد النقد الأجنبي عبر جذب الودائع والاستثمارات العربية وبيع الأصول، بالتوازي مع ترشيد الطلب على الدولار وتقليل الاعتماد على الواردات التي يمكن توفير بدائل محلية لها.
كما لفتت إلى أن تطبيق نظام أكثر مرونة لسعر الصرف يتطلب توافر موارد كبيرة من النقد الأجنبي، ما يجعل إدارة الأزمة مرتبطة بقدرة الاقتصاد على توفير الدولار، وليس بتحريك سعره وحده.