تستخدم الهند مزيجاً من التدخل في سوق الصرف، واستقطاب الودائع من مواطنيها المقيمين في الخارج، وتشديد القيود على تداول مشتقات العملات، للحد من تراجع الروبية أمام الدولار. لكن هذه الإجراءات لم تبدد الضغوط على العملة، التي اقتربت من مستوى 97 روبية للدولار قبل أن تتحسن إلى أقل من 95، ثم تعود إلى التراجع، ما يسلط الضوء على كلفة الدفاع عن العملة وحدود قدرة البنك المركزي على التأثير في سعر الصرف.
وبحسب "ذي إيكونوميست" وسّع بنك الاحتياطي الهندي نطاق تدخله لدعم الروبية، بما في ذلك تشديد القيود على بعض معاملات العملات الأجنبية ورفع كلفة التحوط من تقلبات أسعار الصرف. وتأتي هذه الخطوات في وقت تواجه فيه الهند ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وخروج استثمارات أجنبية من أسواقها المالية، ما يزيد الطلب على الدولار..
التدخل بمليارات الدولارات
يعتمد البنك المركزي الهندي على بيع الدولار وشراء الروبية في سوق الصرف، بهدف زيادة الطلب على العملة المحلية والحد من تراجع قيمتها. غير أن استمرار الضغوط يستلزم تدخلاً متكرراً واستخدام موارد كبيرة من النقد الأجنبي.
ووفقاً لصحيفة "فاينانشال تايمز"، استخدمت الهند نحو 90 مليار دولار من أكثر من 140 مليار دولار جمعتها عبر تدابير استهدفت استقطاب أموال من الهنود المقيمين في الخارج، لدعم العملة من خلال تدخلات السوق وعمليات مبادلة العملات. كما تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي بنحو 60 مليار دولار من ذروتها المسجلة في سبتمبر (أيلول)، ما يثير تساؤلات بشأن استدامة التدخلات إذا استمرت الضغوط.
وتشير تحركات الروبية إلى أن تدخلات البنك المركزي أسهمت في تحسين سعر الصرف خلال فترات محددة، لكنها لم تمنع عودة الضغوط، في ظل استمرار الطلب على الدولار وارتفاع أسعار النفط وتدفقات الأموال إلى الخارج.
ودائع المغتربين لتعزيز موارد الدولار
اتجهت السلطات الهندية إلى الاستفادة من مدخرات الهنود المقيمين في الخارج لتعزيز موارد النقد الأجنبي، عبر تدابير تستهدف جذب الودائع إلى النظام المصرفي المحلي.
وتوفر هذه الأموال مصدراً إضافياً للعملات الأجنبية يمكن أن يساعد في تخفيف الضغوط على الروبية، بدلاً من الاعتماد حصراً على بيع البنك المركزي للدولار من احتياطياته. لكن أثر هذه الآلية يعتمد على حجم التدفقات الفعلية وشروط جذبها وكلفة التحوط من مخاطر تقلب سعر الصرف.
قيود التحوط ترفع أعباء الشركات
لم تقتصر إجراءات البنك المركزي على التدخل المباشر في سوق الصرف، بل امتدت إلى مشتقات العملات التي تستخدمها المؤسسات المالية والشركات لإدارة مخاطر تقلب أسعار الصرف.
وفي أكتوبر (تشرين الأول)، شدد البنك المركزي قواعد بعض العقود المشتقة المرتبطة بالروبية، بحيث أصبح تقديم العقود غير القابلة للتسليم لغير المقيمين مقتصراً على أغراض التحوط. كما فرض احتياطياً لمخاطر الصرف يعادل 20% من القيمة الاسمية لبعض العقود التي تستخدمها البنوك للتحوط من مخاطر أصولها والتزاماتها، على أن يُودع نقداً لدى البنك المركزي طوال مدة العقد.
ويمكن لهذه المتطلبات أن ترفع كلفة التحوط، لأن الأموال المودعة في الاحتياطي لا تحقق عائداً خلال فترة الاحتفاظ بها. وامتد أثر الإجراءات إلى معاملات مرتبطة بتعرضات تجارية ومالية فعلية، وليس إلى المضاربة وحدها، ما أثار مخاوف بشأن انعكاساتها على الشركات والبنوك التي تحتاج إلى إدارة مخاطر العملات الأجنبية.
مستوى الـ100
يمثل اقتراب الروبية من مستوى 100 مقابل الدولار اختباراً لقدرة البنك المركزي على الحد من تراجع العملة، لكنه لا يعني أن هذا المستوى يشكل سعراً رسمياً مستهدفاً.
وتكشف الإجراءات المتخذة أن السلطات الهندية لا تعتمد على احتياطيات النقد الأجنبي وحدها، بل تسعى أيضاً إلى التأثير في سلوك المتعاملين وتقليص بعض أنشطة المضاربة، مع تعزيز تدفقات العملات الأجنبية من الخارج.
لكن هذه السياسة تنطوي على مفاضلة اقتصادية: فالتدخل قد يحد من التقلبات الحادة، في حين أن استنزاف الاحتياطيات ورفع كلفة التحوط وتقييد بعض المعاملات قد تفرض أعباء على النظام المالي والأنشطة التجارية.
وفي ظل استمرار الضغوط الخارجية، تبقى قدرة الهند على دعم الروبية مرتبطة بمدى استمرار تدفقات النقد الأجنبي، ومسار أسعار النفط، وحركة رؤوس الأموال، فضلاً عن استعداد البنك المركزي لتحمل كلفة التدخل.