لم تعد الرسوم الجمركية الأمريكية مجرد وسيلة لحماية الصناعات المحلية أو الحد من العجز التجاري، بل أصبحت أداة لإعادة تحديد شروط دخول السلع إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم، وربط الامتيازات التجارية بالتزامات تتعلق بالاستثمار وسلاسل التوريد وفتح الأسواق أمام المنتجات الأمريكية.

وتكشف القرارات التي اتخذتها واشنطن خلال 2026 عن مسارين متوازيين، يتمثل أولهما في توسيع نطاق الرسوم على عشرات الشركاء التجاريين، فيما يقوم الثاني على منح بعض الدول معاملة جمركية مختلفة بموجب اتفاقات وترتيبات ثنائية، لتصبح كلفة التصدير إلى الولايات المتحدة مرتبطة ببلد المنشأ وتصنيف المنتج والإطار القانوني المطبق عليه.

واشنطن توسع الرسوم إلى 60 اقتصاداً
وسعت الإدارة الأمريكية استخدام أدوات السياسة التجارية، إذ أعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي في 23 يوليو (تموز) 2026 فرض رسوم إضافية بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 على واردات من 60 اقتصاداً، بعد تحقيقات خلصت إلى عدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع استيراد السلع المنتجة باستخدام العمل القسري، وفقاً لبيان مكتب الممثل التجاري الأمريكي.

ودخلت الإجراءات حيز التنفيذ في 24 يوليو (تموز)، مع استثناء انتقالي محدود للشحنات التي كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة قبل الموعد المحدد، إلى جانب إعفاءات لمنتجات معينة، بحسب الإشعار الرسمي المنشور في السجل الفيدرالي الأمريكي بتاريخ 28 يوليو (تموز) 2026.

ولا تقتصر هذه الإجراءات على السلع التي ثبت إنتاجها باستخدام العمل القسري، بل تشمل، مع الاستثناءات المقررة، منتجات الدول المشمولة بالتحقيقات، استناداً إلى تقييم واشنطن لسياسات تلك الدول المتعلقة بمنع هذه الممارسات، وفقاً لمكتب الممثل التجاري الأمريكي.

رسوم متفاوتة بين %10 و%12.5
حدد القرار الأمريكي رسوماً بنسبة %10 على واردات 17 اقتصاداً، بينها الأرجنتين وبنغلاديش وكندا والهند وإندونيسيا وماليزيا والمكسيك والمملكة المتحدة، مقابل %12.5 على اقتصادات أخرى مشمولة بالتحقيقات، مع ترتيبات خاصة لعدد من الشركاء التجاريين، وفقاً لمكتب الممثل التجاري الأمريكي.

وتختلف آلية احتساب الرسوم لبعض المنتجات القادمة من الاتحاد الأوروبي وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا، إذ تُحتسب الرسوم الإضافية بعد مراعاة تعرفة الدولة الأولى بالرعاية، وصولاً إلى المستوى المحدد لكل فئة، بدلاً من إضافة النسبة كاملة بصورة تلقائية إلى التعرفة الأساسية، بحسب الإشعار المنشور في السجل الفيدرالي الأمريكي.

كما نص القرار على إمكانية اعتماد حصص جمركية تفضيلية مرتبطة باستخدام مدخلات إنتاج أمريكية في بعض الصناعات لدى بنغلاديش وكمبوديا وإندونيسيا وماليزيا، بما يعكس توظيف السياسة الجمركية لتشجيع شراء المواد الخام والمنتجات الأمريكية، وفقاً لمكتب الممثل التجاري الأمريكي.

اليابان.. سقف جمركي عند %15
انتقلت الترتيبات التجارية بين واشنطن وطوكيو إلى مرحلة التنفيذ بموجب الأمر التنفيذي الأمريكي الصادر في 4 سبتمبر (أيلول) 2025، الذي وضع إطاراً لتعرفة إجمالية بنسبة %15 على معظم الواردات اليابانية، مع معاملة منفصلة لبعض القطاعات، وفقاً للبيت الأبيض.

ونص الأمر على استكمال التعرفة الأساسية إلى مستوى %15 بالنسبة للسلع المشمولة التي تقل رسومها الأصلية عن هذه النسبة، من دون فرض رسم إضافي بموجب الإطار نفسه على السلع التي تبلغ تعرّفتها الأساسية %15 أو أكثر، مع تطبيق الأحكام بأثر رجعي اعتباراً من 7 أغسطس (آب) 2025، بحسب الأمر التنفيذي الأمريكي.

وتضمن الاتفاق ترتيبات خاصة بالسيارات وقطع الغيار والطائرات المدنية والأدوية الجنيسة وبعض الموارد الطبيعية، إلى جانب تعهدات يابانية بتوسيع مشتريات المنتجات الأمريكية والاستثمار في الولايات المتحدة، وفقاً للبيت الأبيض.

الاتحاد الأوروبي.. اتفاق تجاري دخل التنفيذ
دخل الإطار التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في الأول من يوليو (تموز) 2026، بعد استكمال إجراءات الموافقة الأوروبية، استناداً إلى التفاهم الذي توصل إليه الجانبان في يوليو (تموز) 2025 والبيان المشترك الصادر في أغسطس (آب) من العام نفسه، وفقاً للمفوضية الأوروبية.

وينص الترتيب على سقف جمركي أمريكي قدره %15 للمنتجات الأوروبية المشمولة، مقابل إلغاء الاتحاد الأوروبي الرسوم على الواردات الصناعية الأمريكية وتحسين شروط دخول بعض المنتجات الزراعية والغذائية، بحسب المفوضية الأوروبية.

لكن الاتفاق أبقى نقاط خلاف مرتبطة بالرسوم الأمريكية على مشتقات الصلب والألمنيوم، إذ أوضحت المفوضية أن الاتحاد يحتفظ بإمكانية تعليق الامتيازات الممنوحة للولايات المتحدة إذا لم تُخفض هذه الرسوم، التي تصل إلى %50 على بعض المنتجات، إلى المستوى المتفق عليه بحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2026.

وتعكس هذه الآلية محاولة أوروبية للجمع بين الحفاظ على استقرار العلاقات التجارية مع واشنطن والاحتفاظ بأدوات للرد على أي إخلال بالالتزامات المتبادلة، وفقاً للمفوضية الأوروبية.

رسوم ترامب تربك الصناعة الأمريكية.. لماذا يصعب الاستغناء عن ألمنيوم كندا؟ - موقع 24تواجه الصناعات الأمريكية ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع كلفة الألمنيوم، بعدما فرض الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية بنسبة 50% على معظم واردات المعدن، بما فيها الإمدادات الكندية، في وقت يصعب فيه تعويض الإنتاج القادم من كندا بسبب ارتفاع كلفة الكهرباء اللازمة لتشغيل المصاهر داخل الولايات المتحدة، بحسب ...

الهند.. تفاهمات جمركية دون اتفاق نهائي
على الجانب الآخر، لم تنجح الولايات المتحدة والهند في استكمال اتفاق تجاري نهائي، رغم توصلهما في فبراير (شباط) 2026 إلى إطار تفاهمي خفّض الرسوم العقابية الأمريكية على معظم السلع الهندية إلى %18، مقارنة بمستوى سابق بلغ %50، بحسب وكالة "رويترز".

وتعقدت المفاوضات لاحقاً بسبب الخلافات المتعلقة بمشتريات الهند من النفط الروسي، ومطالب واشنطن بفتح قطاعات زراعية هندية أمام صادراتها، فضلاً عن استمرار تحقيقات تجارية أمريكية قد تؤثر في الرسوم النهائية، وفقاً لتقرير نشرته "رويترز" في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وأوضحت الوكالة أن المحادثات وصلت إلى مرحلة جمود، مع غياب مؤشرات على اتفاق وشيك، رغم استمرار الاتصالات بين الجانبين، بينما تسعى نيودلهي إلى حماية قطاعات حساسة، بينها الألبان والحبوب والدواجن، والحصول على معاملة أكثر استقراراً لصادراتها.

وتظل التعرفة النهائية على بعض المنتجات الهندية مرتبطة بتطورات المفاوضات والإجراءات التجارية الأمريكية الأخرى، ما يجعل من غير الدقيق اعتبار نسبة %18 سقفاً نهائياً وشاملاً لجميع الواردات الهندية، بحسب "رويترز".

استثمار "بومباردييه" في أمريكا يختبر أثر التوتر التجاري بين واشنطن وأوتاوا - موقع 24تعتزم شركة بومباردييه الكندية لصناعة الطائرات استثمار 270 مليون دولار في الولايات المتحدة، ضمن خطة تشمل توفير 800 فرصة عمل وتوسيع منشآت الخدمات والصيانة في أربع ولايات أمريكية، بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب عن تهديداته بمنع الشركة من بيع طائراتها في السوق الأمريكية ما لم تصنعها محلياً.

كندا.. إعفاءات جديدة ورسوم إضافية
وفي أحدث تعديل على السياسة الجمركية تجاه كندا، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلاناً في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 لتغيير نطاق المنتجات الكندية الخاضعة لرسوم إضافية بنسبة %50، على أن يبدأ تطبيق التعديلات في 30 أكتوبر (تشرين الأول)، وفقاً للبيت الأبيض.

واستند الإجراء إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية الأمريكي لعام 1930، في إطار خلاف يتعلق بما تعتبره واشنطن معاملة تمييزية لصادراتها من السيارات وقطع الغيار، وليس إلى المادة 301 المستخدمة في تحقيقات العمل القسري، بحسب الإعلان الرئاسي الأمريكي.

وشملت التعديلات استبعاد بعض المنتجات الكندية من نطاق الرسوم الإضافية، وإدراج منتجات أخرى ضمنها، في خطوة تؤكد أن المعاملة الجمركية قد تختلف حتى بين السلع القادمة من الشريك التجاري نفسه، وفقاً للبيت الأبيض.

ولا تعني نسبة %50 فرض تعرفة عامة على جميع الواردات الكندية، بل تطبيق رسوم إضافية على المنتجات المحددة في القوائم الملحقة بالإعلان، مع مراعاة الرسوم الأخرى التي قد تنطبق بموجب تشريعات مختلفة، بحسب الوثيقة الرئاسية.

ترامب يلغي 50% رسوماً على منتجات كندية.. انفراجة أم ضرورة تجارية؟ - موقع 24ألغت الولايات المتحدة رسوماً جمركية مفروضة على بعض المنتجات الكندية، في خطوة قد تدعم الشركات الزراعية الأمريكية المعتمدة على هذه السلع. وبحسب وكالة رويترز، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، أمراً بإلغاء الرسوم الجمركية البالغة 50% المفروضة على بعض منتجات الزراعة والغابات الكندية.

الشركات أمام خريطة جمركية متغيرة
تضع هذه التحولات الشركات المصدرة والمستوردة أمام بيئة تجارية أكثر تعقيداً، إذ لم يعد تحديد كلفة دخول السوق الأمريكية يعتمد على التعرفة الأساسية وحدها، بل بات يتطلب مراجعة بلد المنشأ والتصنيف الجمركي والاستثناءات القطاعية وأحكام الاتفاقات الثنائية.

كما تزداد أهمية مراجعة سلاسل التوريد والوثائق المتعلقة بمنشأ السلع ومدخلات الإنتاج، خصوصاً مع ارتباط بعض الإجراءات الأمريكية بممارسات العمل القسري أو باستخدام مواد أولية من مصادر محددة، وفقاً لإشعارات مكتب الممثل التجاري الأمريكي وإرشادات الجمارك وحماية الحدود الأمريكية.

وتشير هذه التطورات إلى تحول السياسة الجمركية الأمريكية من منظومة رسوم عامة نسبياً إلى شبكة من الإجراءات المتداخلة، تجمع بين الضغوط التجارية والحوافز التفاوضية والاستثناءات المشروطة، بما يزيد الحاجة إلى تقييم تكلفة كل شحنة وفق القواعد السارية وقت دخولها السوق الأمريكية.