سادت حالة من الذعر المالي أروقة بورصة "وول ستريت" في نيويورك، لتغلق تعاملاتها على تراجع جماعي حاد، ومتزامن في جميع مؤشراتها الرئيسية.

وجاءت الموجة البيعية العنيفة بقيادة قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الذي واجه ضغوطاً تصحيحية قاسية عقب صدور سلسلة من نتائج الأعمال المخيبة للآمال لعمالقة صناعة الرقائق والتقنية الفائقة.

ولم تقتصر تداعيات الاضطراب المالي على سوق الأسهم، بل امتدت لتحدث هزة في أسواق الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب، الذي هبط بنسبة كبيرة، بالتوازي مع انهيار عنيف في سوق العملات المشفرة.

وفي المقابل، تحركت أسعار النفط في الاتجاه المعاكس، مسجلة قفزات ملحوظة بفعل تصاعد المخاوف الجيوسياسية والتوترات في منطقة الشرق الأوسط.

ناسداك يقود التراجع

تأثرت ثقة المستثمرين بشكل مباشر بالتقارير المالية الفصلية، حيث قاد مؤشر "ناسداك" المجمع، المثقل بأسهم التكنولوجيا، موجة الهبوط، مسجلاً أسوأ أداء يومي له منذ يونيو الماضي.

وجاء التراجع مدفوعاً بعمليات تصفية واسعة النطاق للمراكز الاستثمارية في الشركات التي قادت طفرة الصعود السابقة، القائمة على تطلعات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وفي قلب هذه العاصفة، تلقت السوق صدمة تاريخية بعد انهيار سهم شركة "إنتل" بنسبة بلغت 28.58% عند الإغلاق، في أكبر وأقسى هبوط يومي في تاريخ العملاق الأمريكي لصناعة الرقائق منذ عقود.

وجاءت الخسارة المدوية مدفوعة ببيانات مالية وتوقعات مستقبلية شديدة القتامة للربع الأخير من العام، حيث كشفت الشركة عن تراجع حاد في هوامش الربحية، وضغوط هيكلية مرتبطة بتباطؤ مبيعات أجهزة الكمبيوتر الشخصية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التشغيل وتحديات سلاسل الإمداد.

ولم تكن إنتل وحدها في ساحة النزيف، إذ امتدت الخسائر لتطال شركات كبرى أخرى، مثل أمازون وألفابت، مما أدى إلى تبخر مئات المليارات من الدولارات من القيمة السوقية الإجمالية لقطاع أشباه الموصلات والتقنية في غضون ساعات قليلة.

أزمة ثقة

تجاوزت الموجة البيعية في قطاع الذكاء الاصطناعي مجرد رد فعل مؤقت على أرقام فصلية مخيبة للآمال، بل كشفت عن أزمة ثقة هيكلية بدأت تتبلور في أذهان كبار المستثمرين ومؤسسات الاستثمار الدولية بشأن مدى جدوى الإنفاق الرأسمالي الضخم على البنية التحتية ومراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي.

ولفترة طويلة، اندفعت شركات التقنية الكبرى نحو ضخ استثمارات تريليونية لبناء القدرات الحوسبية وشراء الرقائق المتقدمة، مراهنةً على ثورة برمجية شاملة.

ومع ذلك، بدأت المؤسسات المالية الدولية تطرح تساؤلات حذرة ومقلقة حول المدة الزمنية اللازمة لتحويل هذه الاستثمارات الهائلة إلى أرباح مجزية وملموسة على المدى القريب، بدلاً من الاعتماد على الوعود المستقبلية طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، أشارت تقارير صادرة عن مؤسسات مالية كبرى، مثل "جولدمان ساكس" و"مورغان ستانلي"، إلى أن الأسواق دخلت مرحلة "غربلة وتدقيق الحسابات".

ويرى المحللون في هذه المؤسسات أن المستثمرين لم يعودوا مستعدين لمنح "شيكات على بياض" لشركات التكنولوجيا تحت شعار الذكاء الاصطناعي، بل باتوا يطالبون بنماذج أعمال واضحة تثبت القدرة على تحقيق عوائد حقيقية تتناسب مع حجم المخاطر والإنفاق الرأسمالي المتصاعد.

بدورها، أوضحت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أن التكلفة المرتفعة للاقتراض والتمويل، بالتزامن مع بطء وتيرة تحقيق عوائد تجارية من خدمات الذكاء الاصطناعي، قد تضغط على التدفقات النقدية الحرة للشركات، مما استدعى عمليات تصحيح سعرية عنيفة لإعادة تقييم الأسهم بناءً على معطيات الواقع، وليس التوقعات المتفائلة.

الطاقة تشتعل والذهب يتراجع

على الجانب الآخر من المشهد، فرضت الملفات السياسية والأمنية ظلالها الثقيلة على تحركات الأصول الأساسية. فقد قفزت أسعار النفط الخام بشكل ملحوظ في الأسواق العالمية، متأثرة بتجدد المخاوف من اتساع رقعة الصراع والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، التي تهدد سلامة خطوط الإمداد الحيوية عبر الممرات المائية الاستراتيجية.

وأدى الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة إلى زيادة منسوب القلق لدى المستثمرين، نظراً إلى ما يمثله ارتفاع أسعار النفط من تهديد مباشر لجهود كبح التضخم العالمي، مما قد يضطر البنوك المركزية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى الإبقاء على معدلات الفائدة المرتفعة لفترات أطول من المتوقع.

وفي خطوة غير مألوفة خالفت التوقعات التقليدية لحركة الأسواق أثناء الأزمات، شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً وحاداً عن مستوياتها القياسية والخطوط التاريخية غير المسبوقة التي استقرت عليها مؤخراً.

وعزا المحللون في "سيتي جروب" الهبوط المفاجئ للمعدن الأصفر إلى عمليات تسييل قسرية واسعة النطاق وجني الأرباح، حيث اندفعت صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الكبرى إلى بيع حيازاتها من الذهب، بهدف توفير السيولة النقدية العاجلة لتغطية خسائرها الفادحة ومراكزها المكشوفة في سوق الأسهم والرقائق الإلكترونية.

وعادة ما يتكرر مثل هذا السلوك في ذروة موجات الهلع البيعي، في محاولة لإنقاذ المحافظ الاستثمارية من شبح الإفلاس أو نداءات الهامش.

سوق العملات المشفرة

لم تكن الأصول الرقمية بمعزل عن عمليات التسييل العنيفة، بل كانت الضحية الأكبر لموجة الذعر الراهنة. فقد انهارت أسعار العملات المشفرة، وفي مقدمتها "البيتكوين" والعملات البديلة القيادية، لتسجل تراجعات حادة دفعت السوق الإجمالية إلى خسارة مئات المليارات من قيمتها السوقية المجمعة في فترة زمنية وجيزة.

ويجمع خبراء الاقتصاد على أن الأصول المشفرة، التي باتت تتحرك مؤخراً بارتباط وثيق مع أسهم قطاع التكنولوجيا عالية المخاطر، تعرضت لضربة مزدوجة؛ تمثلت الأولى في الهروب الجماعي من الأصول ذات المخاطر المرتفعة، فيما تمثلت الثانية في شح السيولة الذي ضرب الأسواق، بالتزامن مع تزايد الضغوط التنظيمية والأمنية المرتبطة بالمنصات الرقمية.

وأشار بنك "باركليز" إلى أن انهيار العملات الرقمية يعكس تراجع شهية المخاطرة إلى أدنى مستوياتها، حيث يفضل المستثمرون في الوقت الراهن الاحتفاظ بالنقد أو التوجه نحو السندات الحكومية قصيرة الأجل، بانتظار اتضاح الرؤية وانحسار الضبابية المحيطة بالمشهد الاقتصادي الكلي والسياسة النقدية العالمية.

مرحلة إعادة تسعير

في ضوء المعطيات السابقة، فإن الأسواق المالية العالمية لا تمر بمجرد حركات تصحيحية عابرة، بل تواجه مرحلة إعادة تسعير شاملة لمختلف الأصول الاستثمارية.

لقد اصطدمت التقييمات المتضخمة لقطاع التكنولوجيا بصخرة الواقع المالي ونتائج الأعمال الفعلية، في وقت تضغط فيه تكاليف الطاقة المرتفعة والاضطرابات الجيوسياسية على آفاق النمو الاقتصادي العالمي.

وتقف البنوك المركزية والمؤسسات الدولية اليوم أمام اختبار معقد للموازنة بين حماية الأسواق من الانهيار ومكافحة التضخم المستورد من أسواق الطاقة، مما يضع المستثمرين أمام شتاء مالي يتطلب أقصى درجات الحيطة والحذر وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية.