تواجه الأسواق العالمية ضغوطاً متزايدة مع تصاعد المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة خلال العام المقبل، بالتزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض، رغم تراجع أسعار النفط وسط آمال بانحسار الحرب مع إيران، عقب فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وعزز ارتفاع عوائد السندات الحكومية وتراجع الثقة في طفرة الذكاء الاصطناعي وضعف البيانات الاقتصادية الأوروبية، المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة يتزامن فيها تباطؤ النمو مع استمرار الضغوط التضخمية.
النفط يواصل الضغط على التضخم
تراجعت أسعار النفط بنحو 20% خلال الأسبوع الجاري إلى أقل من 100 دولار للبرميل، لكن المحللين حذروا من أن التوصل إلى تسوية للحرب مع إيران لا يزال غير مؤكد، ما يترك المجال مفتوحاً أمام ارتفاع الأسعار مجدداً.
ورغم التراجع الأخير، لا تزال أسعار النفط مرتفعة بنحو 60% منذ بداية العام، فيما تبلغ أسعار الغاز الطبيعي نحو ثلاثة أضعاف مستوياتها المسجلة مطلع 2026. وتعزز هذه التطورات توقعات استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة، رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وأظهرت بيانات جامعة ميشيغان ارتفاع توقعات التضخم في الولايات المتحدة للعام المقبل إلى 4.7% في أكتوبر (تشرين الأول)، مقابل 4.6% في سبتمبر (أيلول) و3.4% في فبراير (شباط).
كما ظلت توقعات التضخم طويلة الأجل في الأسواق أعلى من 2% في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، وأكثر من 3% في بريطانيا.
وقال إينيغو فريزر جينكينز، كبير استراتيجيي الاستثمار في "أليانس برنشتاين"، إن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات التي تغذي التضخم ستستمر حتى بعد الانتخابات الأمريكية، مشيراً إلى أن الضغوط قد تنتقل مستقبلاً من النفط إلى سلع أخرى مثل الكوبالت والليثيوم، ما يعني ارتفاع التضخم وزيادة تقلبات الأسواق.

أسعار الغذاء تزيد الضغوط
تشكل أسعار المواد الغذائية مصدراً إضافياً للقلق، مع استمرار ارتفاعها بفعل الظروف المناخية القاسية واضطرابات الشحن وزيادة تكاليف الطاقة. ووصل مؤشر أسعار الغذاء التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" إلى أعلى مستوى له منذ نحو 4 سنوات.
وحذرت شركات كبرى للسلع الاستهلاكية والأغذية من احتمال رفع أسعار منتجاتها لتعويض ارتفاع التكاليف، فيما أبدت مؤسسات قطاع التجزئة البريطاني مخاوف مماثلة.
وأوضح هانك كالينتي، استراتيجي الأسواق العالمية لدى "إس إم بي سي"، أن ارتفاع أسعار الغذاء قد يدفع العاملين إلى المطالبة بزيادة الأجور لمواجهة تكاليف المعيشة، ما يؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية يصعب احتواؤها.

ارتفاع تكاليف الاقتراض
تزيد الأوضاع المالية المشددة المخاوف بشأن آفاق النمو العالمي، بعدما ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي الأمريكي بمقدار 85 نقطة أساس خلال الربع الثالث، فيما قفزت بأكثر من 100 نقطة أساس في فرنسا وإيطاليا. ورغم تراجع عوائد السندات لاحقاً، فإنها لا تزال أعلى بكثير من مستويات بداية العام.
ومن المتوقع أن يسهم الطلب على السندات الألمانية باعتبارها ملاذاً آمناً في الحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض بمنطقة اليورو، لكن اتساع الفارق بين عوائد الديون الفرنسية والألمانية قد يؤدي إلى تشديد شروط التمويل حتى دون تغيير السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي.
وأظهرت تقديرات للبنك المركزي الأوروبي، جرى تداولها قبل اجتماعه الأخير، أن الارتفاع الأخير في عوائد السندات قد يخفض النمو الاقتصادي بمقدار تراكمي يبلغ نقطة مئوية واحدة خلال عامي 2027 و2028، مقارنة بتوقعات سبتمبر (أيلول) الماضي.

تراجع أسهم التكنولوجيا
امتدت الضغوط إلى أسواق الأسهم، خصوصاً الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع تزايد تساؤلات المستثمرين بشأن استدامة الطفرة الاستثمارية في القطاع.
ورغم بقاء مؤشرات الأسهم الرئيسية قرب مستوياتها القياسية، فقد مؤشر "ناسداك 100" أكثر من تريليوني دولار من قيمته السوقية خلال الشهر الماضي وحده.
وحذر محللون من أن استمرار تراجع الأسهم قد يؤدي إلى انخفاض ثروات الأسر وارتفاع تكاليف تمويل الشركات وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، ما قد ينعكس سلباً على الاستثمارات المستقبلية.
وقال بنك "سيتي" في مذكرة، إن الأوضاع المالية شهدت تشديداً خلال الأسبوع الماضي، مع اتساع فروق العائد على الائتمان وتراجع أسعار الأسهم، لكنه أشار إلى أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قد لا يعتبرون هذه الظروف مقيدة بما يكفي حتى الآن.

تباطؤ الاقتصاد الأوروبي
أظهرت بيانات صدرت، الأربعاء، تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بشكل حاد خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مع اقتراب الطلب من الركود وارتفاع تكاليف الشركات، فيما تراجعت الثقة إلى أدنى مستوى في 5 أشهر.
كما سجل مؤشر "سيتي" للمفاجآت الاقتصادية الأوروبية اتجاهاً هبوطياً، في إشارة إلى ضعف أداء البيانات الاقتصادية مقارنة بتوقعات المحللين.
في المقابل، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يتمتع بقدر من المرونة، مدعوماً جزئياً بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الأسواق تخشى سياسة "حافة الهاوية" بعد سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس - موقع 24يركز المستثمرون في الولايات المتحدة، بعد سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، على مخاطر المواجهات المحتملة بشأن حد الاقتراض الحكومي، وسط مخاوف من أن تؤدي سياسة حافة الهاوية السياسية إلى زعزعة استقرار الأسواق.
وحذر آر جيه غالو، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت العالمي لدى "فيدريتد هيرميس"، من التوسع في استخدام مصطلح "الركود التضخمي"، الذي يشير إلى اجتماع التضخم المرتفع وضعف النمو وزيادة البطالة.
وأوضح أن الاقتصاد الأمريكي يواصل النمو بوتيرة قوية نسبياً، بينما لا يزال معدل البطالة عند 4.2%، وهو مستوى منخفض وفق المعايير التاريخية، مؤكداً أن التضخم يظل مصدر القلق الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.