استبعدت الحكومة المغربية إعادة الدعم الشامل لأسعار الوقود، رغم ارتفاع تكاليف المحروقات والضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرة أن العودة إلى نظام الدعم السابق قد تكلف خزينة الدولة ما بين 50 و70 مليار درهم (5.12 إلى 7.17 مليار دولار) سنوياً، في وقت تبحث فيه السلطات عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استهدافاً للفئات المتضررة.

وبحسب موقع "هسبريس" المغربي، أكد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لعام 2027 في البرلمان، أن الدعم العام للمحروقات لا يحقق العدالة الاجتماعية المطلوبة، نظراً لاستفادة الأسر الأعلى دخلاً منه بصورة أكبر، مشدداً على ضرورة توجيه الموارد المالية إلى الفئات الأكثر احتياجاً. 

رفض خفض الضرائب على الوقود

لا يقتصر الموقف الحكومي على استبعاد الدعم المباشر للأسعار، بل يشمل رفض مقترحات إلغاء الضريبة الداخلية على استهلاك المحروقات، إذ أوضح لقجع وفق "هسبريس"، أن إلغاءها لن يخفض أسعار الوقود سوى بنحو 1.20 درهم للتر (نحو 12 سنتاً أمريكياً)، مقابل خسارة إيرادات ضريبية تحتاجها الدولة لتمويل البرامج الاجتماعية.

وفي مواجهة الانتقادات المتعلقة بأرباح شركات توزيع المحروقات، أشار الوزير إلى أن القطاع سجل إيرادات بلغت 131 مليار درهم (13.42 مليار دولار) خلال 2025، بهوامش ربح تقارب 5.85%، مؤكداً أن معالجة ارتفاع الأسعار تتطلب إصلاح بنية السوق وتعزيز المنافسة بدلاً من العودة إلى الدعم الشامل.

وتأتي هذه المناقشات في وقت اقتربت فيه أسعار الديزل من 17 درهماً للتر (نحو 1.74 دولار) مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، ما يزيد تكاليف النقل والإنتاج، ويرفع مخاطر انتقال الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات.

400 مليون درهم لدعم النقل

في أحدث إجراءاتها، أعلنت الحكومة المغربية تخصيص 400 مليون درهم (نحو 41 مليون دولار) إضافية لدعم مهنيي النقل البري، بزيادة 60% مقارنة بالشريحة الأولى من الدعم، في خطوة تستهدف تخفيف انعكاسات ارتفاع الوقود على أسعار نقل الركاب والبضائع، وفق ما أورده موقع "هسبريس".

وأوضح وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، أن الدعم سيشمل نحو 200 ألف مركبة مؤهلة، على أن تبدأ المدفوعات في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وتُصرف كل 15 يوماً لمواكبة تغير أسعار الوقود.

ووفق وسائل الإعلام المغربية، طالبت الحكومة شركات النقل بعدم زيادة التعرفات الرسمية لنقل الركاب والبضائع، مؤكدة أن الدعم الاستثنائي يستهدف حماية المستهلك النهائي من تحمل الارتفاع الكامل في تكاليف الطاقة. 

إصلاح سوق المحروقات

في المقابل، تدرس الحكومة المغربية مجموعة إصلاحات هيكلية لخفض تكاليف الوقود وتعزيز استقرار الإمدادات، أبرزها زيادة المنافسة بين الشركات، وتوسيع قدرات تخزين المحروقات، والفصل بين أنشطة الاستيراد والتوزيع، وفق "هسبريس".

وتستهدف الإجراءات تقليل الاختلالات في السوق وتحسين شروط التنافس، ما قد ينعكس على الأسعار على المدى المتوسط، دون أن تضمن انخفاضاً فورياً في محطات الوقود.

كما أبدت الحكومة انفتاحها على إعادة تشغيل مصفاة "سامير" المتوقفة، من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص أو استقطاب مستثمرين جدد، بالنظر إلى دورها المحتمل في تعزيز المخزونات الاستراتيجية وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات الإمدادات الدولية. 

وكانت الحكومة قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن مخزونات الغازوال وغاز البوتان تغطي ما بين 40 و60 يوماً من الاحتياجات، مع استمرار الإمدادات رغم اضطرابات أسواق الطاقة العالمية. 

حماية الأسر من ارتفاع الأسعار

وعلى المستوى الاجتماعي، تراهن الحكومة على تعزيز المساعدات المباشرة للأسر وتحسين الدخل، بدلاً من تعميم الدعم على أسعار المحروقات.

وتشمل الإجراءات المعلنة زيادة المساعدات الاجتماعية المباشرة تدريجياً من 600 إلى 1000 درهم (نحو 61.5 إلى 102.5 دولار)، إلى جانب تدابير لتحسين معاشات بعض الفئات، في إطار جهود حماية القدرة الشرائية.

كما تعمل الحكومة، بحسب ما نقلته "هسبريس" عن تصريحات رسمية، على معالجة اختلالات سلاسل توزيع السلع، بعدما أشارت إلى أن الوسطاء يستحوذون على ما يقارب 70% من السعر النهائي لبعض المنتجات، مع التحضير لإنشاء 6 شركات جهوية لتنظيم الأسواق والتوزيع خلال العام المقبل.

خيارات مطروحة وتحديات التنفيذ

تكشف الإجراءات الحكومية عن توجه يقوم على 3 مسارات رئيسة: دعم القطاعات المتضررة مباشرة، وتعزيز المساعدات الاجتماعية، وإصلاح سوق المحروقات لزيادة المنافسة وتقوية أمن الإمدادات.

ويبقى نجاح هذه السياسة مرتبطاً بمدى وصول دعم النقل إلى المستحقين، والتزام الشركات بعدم تمرير الزيادات إلى المستهلكين، وقدرة الحكومة على تسريع الإصلاحات الهيكلية.