أعادت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس تشكيل المشهد المالي في وول ستريت، مهددة بإنهاء أعنف موجة صعود شهدتها أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وبين صدمة النتائج السياسية وتهاوي الشاشات الحمراء، كشف كبار خبراء وصناع القرار المالي في وول ستريت حجم الذعر والتحولات الجوهرية التي تشهدها الأسواق.
وعاش المستثمرون أسبوعاً حبس أنفاس الأسواق العالمية، وأعاد إلى الأذهان ذكريات الأزمات المالية الكبرى، بعد أن تم محو تريليونات الدولارات في ساعات قليلة، أول أمس الخميس، وفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
كواليس الصدمة الأولى
تحددت لحظة الصدمة بدقة عند الساعة التاسعة، مساء الثلاثاء الماضي، ومع تدفق النتائج الأولى وفوز الديمقراطيين في ولايات رئيسية مثل تكساس وأوهايو وجورجيا، بدأت هواتف صناديق الاستثمار تشتعل بالاتصالات دون انقطاع.
ويروي بن إيمونس، الذي تقدم شركته أبحاثاً استثمارية في نيويورك، تفاصيل تلك الليلة قائلاً: "فاجأ الأمر الجميع.. هذه صدمة حقيقية، ولم يستوعب العملاء حجم ما كان يحدث أمام أعينهم".
ولم يكن الخوف نابعاً من نتائج صندوق الاقتراع بذاتها، بل من تداعياتها المباشرة؛ إذ أعلن الحكام الجدد في تلك الولايات توجههم لفرض حظر ومراجعات صارمة على إنشاء مراكز البيانات الجديدة، وهي الشريان الأكبر والمغذي الوحيد لطفرة الذكاء الاصطناعي.
"الخميس الأسود".. تبخر 2.5 ترليون دولار
ورغم الارتياح المؤقت الذي ساد يوم الأربعاء الماضي، عقب تصريحات سياسية هادئة، إلا أن الخميس كان يحمل لحظة الحساب الحقيقية؛ حيث شهدت الأسواق تصفية واسعة بقيادة عملاقي الشرائح الإلكترونية "إنفيديا" و"مايكرون تكنولوجي"، لينزلق مؤشر "ناسداك" إلى منطقة التصحيح.
وفي غضون ساعات قليلة، أطاحت موجة بيع بـ 2.5 ترليون دولار من القيمة السوقية لمؤشر "ناسداك المركب" في أكبر انخفاض يومي منذ أبريل (نيسان) 2025.
وفي سان فرانسيسكو، يصف المستثمر كيفن شو لحظة استيقاظه على هذه الصدمة بعد أن محت موجة الهبوط مبلغاً كبيراً من محفظة تقاعده، قائلاً:"عندما نظرت إلى شاشة الأسعار أصابتني الذهول، وكان أول ما خطر ببالي: أتمنى أن يكون هذا مجرد خطأ في الشاشة.. لا يوجد شيء تفعله في هذه اللحظات، أنت فقط تجلس وتراقب محفظتك وهي تتهاوى".
تضاعف الذعر
ولم تقتصر الأزمة على الذعر البشري فحسب، بل دخلت "التداولات المبرمجة" والخوارزميات الآلية على خط الأزمة، ومع القفزة القياسية لمؤشر "VIX" المعروف بـ "مؤشر الخوف" في وول ستريت، فعّلت الصناديق الاستثمارية خوارزميات البيع التلقائي للتخلص من الأسهم، حيث أشار بنك "باركليز" إلى أن هذه الصناديق تخلصت من الأسهم بمقدار 30 نقطة مئوية، في أكبر تراجع يومي منذ بدء جائحة كورونا.
وحول هذا الذعر المتصاعد، يوضح تيموثي كاساليتو، مدير محفظة الأسهم في شركة "ويلينغتون مانجمنت"، طبيعة الانهيار قائلاً: "كانت السوق تقوم بتصفية والتخلص العشوائي من أي شيء له علاقة بالذكاء الاصطناعي. يبدو أن تباطؤ نمو هذه الأسهم بات أمراً لا مفر منه، ومن المرجح جداً أن تكون سرعة التوسع والتطوير أبطأ بكثير مما كانت تتوقعه الأسواق".
إعادة هيكلة أم بداية الانهيار؟
وأمام هذا المشهد الضبابي، يتجه اهتمام كبار الخبراء والمحللين نحو المستقبل، لمواجهة السؤال الأكثر أهمية: هل انتهت طفرة الذكاء الاصطناعي أم أن الأسواق تعيد ضبط سرعتها فقط؟.
يرى دان فارلي، رئيس الاستثمار في مجموعة إدارة الأصول بـ "U.S. Bank"، أن ما يحدث هو تحول طبيعي في الدورة الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذا ما يحدث عادة عندما ننتقل إلى سرعة أكثر استدامة للاقتصاد وللأرباح، ولكن هناك دائماً اضطرابات وتقلبات شديدة عندما تنتقل من سرعة عالية إلى أخرى أهدأ.
وفي الاتجاه نفسه، يرى جورج ماتيو، رئيس الاستثمار في "Key Private Bank"، أن السوق بالغ في رد الفعل، مؤكداً أن "الانتخابات كانت رفضاً للوضع السياسي الراهن أكثر من كونها رفضاً للاقتصاد. القواعد الجديدة ربما تبطئ بناء مراكز البيانات، لكنها لن توقفها، ومع الوقت سيتلاشى تشكك الجمهور، ويستمر دمج الذكاء الاصطناعي في عملهم وحياتهم".