تواجه صناعة العملات المشفرة في الولايات المتحدة مرحلة سياسية جديدة، مع اقتراب الديمقراطيين من السيطرة على الكونغرس بمجلسيه، عقب فوزهم في انتخابات التجديد النصفي، في تحول يهدد بزيادة القيود التنظيمية، وتشديد الرقابة على علاقات القطاع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومصالحه في الأصول الرقمية

وعلى مدى عامين، تمتعت صناعة العملات المشفرة بظروف سياسية استثنائية في واشنطن، تمثلت في رئيس جعل الأصول الرقمية أولوية وطنية، بالتوازي مع تنامي ثروته الشخصية من استثمارات العملات المشفرة، إلى جانب توجه الجهات التنظيمية نحو تسهيل انتشار هذه الأصول، ووجود كونغرس جمهوري أكثر تقبلاً لمطالب القطاع.

لكن هذه المزايا السياسية تواجه الآن اختباراً مختلفاً، مع احتمال تعثر تمرير تشريعات شاملة وفق الصيغة التي تفضلها شركات العملات المشفرة، وارتفاع فرص إخضاع تعاملات ترامب في هذا المجال لتحقيقات ورقابة برلمانية أوسع.

وقال أوستن كامبل، خبير العملات المشفرة والمصرفي السابق والأستاذ المساعد في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، إن شخصيات بارزة في القطاع اصطفّت إلى جانب عائلة ترامب، مضيفاً أن هذه التحالفات قد تترتب عليها تبعات سياسية خلال المرحلة المقبلة.

لماذا تتوسع المؤسسات في تخزين العملات المشفرة رغم تراجع العوائد؟ - موقع 24تعزز المؤسسات الاستثمارية خدمات تخزين العملات المشفرة، رغم تراجع العوائد السنوية من هذه الأنشطة، في مؤشر على تنامي دور التخزين ضمن استراتيجيات الاحتفاظ بالأصول الرقمية، وتحقيق دخل إضافي منها.

تشريعات العملات المشفرة أمام اختبار الكونغرس

وتصاعدت الخلافات السياسية بشأن ارتباط مصالح ترامب الشخصية بقطاع العملات المشفرة في سبتمبر(أيلول) الماضي، عندما أخفق مجلس الشيوخ في تمرير مشروع قانون "كلاريتي" (Clarity Act)، الذي يستهدف إلى وضع قواعد أكثر وضوحاً لمنصات تداول الأصول الرقمية والشركات العاملة في هذا المجال.

ولم تكن مصالح ترامب العامل الوحيد وراء تعثر المشروع، إذ أسهمت أيضاً الخلافات بشأن المكافآت المرتبطة بالعملات المستقرة، وحماية المستثمرين، والمنافسة مع القطاع المصرفي في تعطيل التوافق حوله.

ومن المتوقع أن يدفع الديمقراطيون نحو فرض قيود أخلاقية أكثر صرامة، وتعزيز حماية المستهلكين، وتوسيع دور هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية في الإشراف على الأصول الرقمية، وهي توجهات تختلف عن الإطار التنظيمي الذي سعت شركات القطاع إلى إقراره خلال فترة السيطرة الجمهورية.

وقال آدم ميناردت، مسؤول السياسات في مركز "هايبرليكويت للسياسات"، إن القطاع سيتخذ موقفاً دفاعياً في البداية، بينما يعيد ترتيب علاقاته مع القيادة السياسية الجديدة.

تحقيقات محتملة في مصالح ترامب

ولا تقتصر تداعيات التحول السياسي على مستقبل التشريعات، بل تمتد إلى النفوذ الرقابي والتحقيقي للكونغرس، إذ تمنح السيطرة الديمقراطية اللجان البرلمانية قدرة أكبر على التدقيق في الأنشطة التجارية للرئيس وعائلته.

وتشير التوقعات إلى احتمال تولي السناتور الديمقراطي المنتخب شيرود براون دوراً قيادياً في لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ أو إحدى لجانها الفرعية، التي تتولى الإشراف على هيئة تداول السلع الآجلة (CFTC)، إحدى الجهات التنظيمية الرئيسية لأسواق المشتقات والأصول الرقمية في الولايات المتحدة.

وكان براون قد خسر مقعده في انتخابات 2024، بعدما أنفقت جماعات ضغط مرتبطة بالقطاع ملايين الدولارات في حملات معارضة له، قبل أن يستعيد المقعد من الجمهوري جون هستد.

وفي مجلس النواب، يُتوقع أن يتعزز نفوذ النائبة الديمقراطية ماكسين ووترز، المعروفة بانتقاداتها لعلاقات ترامب بالعملات المشفرة، داخل لجنة الخدمات المالية، فيما يُرجح أن تتولى السناتور إليزابيث وارن رئاسة لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ.

وقال ميناردت إن اللجان ذات القيادة الجديدة ستتبنى أجندة رقابية واسعة، مشيراً إلى وجود مؤشرات على تحركات تستهدف فحص علاقات القطاع ومصالح الشركات المرتبطة به.

مكاسب يصعب التراجع عنها

ورغم التحول في موازين القوى السياسية، فإن التراجع عن بعض المكاسب التنظيمية التي حققها القطاع لن يكون سهلاً؛ إذ يتطلب إلغاء القانون الاتحادي المنظم للعملات المستقرة تشريعاً جديداً، فيما تواصل هيئة الأوراق المالية والبورصات ولجنة تداول السلع الآجلة تطوير قواعد من شأنها دمج الأصول الرقمية بصورة أوسع في الأسواق المالية التقليدية.

لكن الكونغرس يمتلك أدوات للتأثير في عمل الجهات التنظيمية، من بينها التحكم في الموازنات وتقييد الإنفاق على سياسات لا تحظى بتأييده، فضلاً عن التحقيق في قرارات الهيئات وعلاقاتها بالشركات التي تحظى بدعم سياسي، بحسب تايلر جيلاسش، الرئيس التنفيذي لجمعية الأسواق الصحية.

تحديات السوق تتجاوز السياسة

وعلى صعيد الأسواق، لا ترتبط آفاق العملات المشفرة بالتحولات السياسية وحدها، إذ تُظهر التقلبات الحادة التي شهدتها عملة بيتكوين خلال إدارات جمهورية وديمقراطية أن مسار أسعارها لا يمكن تفسيره بمواقف واشنطن التنظيمية فقط.

ولا تزال بيتكوين تتداول دون مستوياتها القياسية السابقة، رغم التسهيلات التنظيمية والدعم السياسي اللذين شهدهما القطاع في عهد ترامب، وأثارا توقعات بدخول الأصول الرقمية مرحلة ازدهار جديدة.

كما أعادت الاختراقات الأمنية تسليط الضوء على المخاطر التشغيلية التي تواجه الصناعة، إذ كشف الاختراق الأخير لمنصة "بينانس" عن خسائر بلغت 6.3 مليار دولار، قبل أن تتمكن المنصة من تعويض العملات المشفرة المسروقة باستخدام موارد من خزينتها المؤسسية وصندوقين للتأمين.

وقال بيتر أتووتر، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة ويليام وماري، إن تكرار حوادث الاختراق يضر بصورة القطاع، ويعيد طرح تساؤلات بشأن الحاجة إلى تشديد الرقابة والتركيز على سلامة المؤسسات المالية.

وفي المحصلة، تتجاوز آفاق صناعة العملات المشفرة علاقتها السياسية بترامب، بعدما أصبحت الأصول الرقمية تشمل صناديق استثمار ومدفوعات قائمة على العملات المستقرة وبنية تحتية مالية تشارك فيها مؤسسات تتجاوز مصالحها حدود أي إدارة رئاسية. وقد يدفع التحول السياسي القطاع إلى البحث عن قاعدة دعم أوسع عابرة للحزبين، بما يقلل اعتماده على تحالف سياسي واحد.