الأحد 7 ديسمبر 2014 / 12:26
توّعدونا بالذبح، فهلعتْ قلوبُنا، وارتجفت مفاصلُنا، وطُفنا في الطرقات نكلّم أنفسَنا، وهِمنا على وجوهِنا نهذي هذيانَ المرتعد. أنذرونا بأن رؤوسَنا سوف تُعلَّق على "باب زويلة"، كما عُلقّت رؤوس رُسُل هولاكو التتريّ، وأن رأسي أنا بالذات سوف تظلُّ تتأرجحُ في المكان والزمان حتى تخترق حاجزَ التاريخ فتصطكُّ برأس "طومان باي" ومصر تدخل من جديد في جلباب الخلافة العثمانية الإخوانية التركية الجهادية الداعشية. قالوا سوف تخترق سنونُ السيوف المواضي شرايينَنا وتمزّق أضلعَنا حتى يحارُ الطيرُ الناهشُ من أين يبدأ في التهام أشلائنا، أمِنْ هذا الشِّلو أم ذاك؟ قالوا سوف تتكسّر النصالُ على النصالِ في نحورنا ونحر مصرَ الشريف، حتى لنرجو أن لم تنجبنا أمهاتُنا في يوم نحسٍ أغبرَ أنكدَ، فحِرنا أين تُرانا نفرُّ وأين نُخفي أجسادَنا وجسدَ مصر الطيب من الويل القادم.
قالوا إن موعدنا يوم ٢٨ نوفمبر، حيث تنكسر إرادةُ الشعب المصري العريض، ويعود الجاسوسُ مجدداً إلى عرش مصر الذي سرقه عاماً كابياً أسودَ. قالوا "مكملين" حتى يعود مرسي للحكم، إن كان قد حكم! ولما سألناهم ببراءة: “مكملين ماذا أيها الطيبون؟" قالوا: “مكملين ويلا وتفجيراً ودماراً وتقتيلا في الأبرياء!” قلنا: “حنانيكم! فإن الخوفَ يقتلنا، والرعبَ يفسّخ أوصالَنا، ولا قِبَل لنا بكم، فنحن محضُ مساكين!” فلم تأخذهم بنا رحمةٌ ولا شفقة، وازدادوا غِيًاً وعيداً. فما كان منّا إلا أن جهّزنا أضرحتنا التي نعرف أنهم لن يعبأوا بدفننا فيها لأن الجوارحَ المسنونةَ أسنانُها أولى بلحومنا الهرطيقة، وإكرام "الكفّار" أمثالنا ليس الدفنَ بل نهشُ النسور. وكتبنا وصايانا، ونحن متيقنون أنهم لن ينفّذوها، لأننا لا أهلية لنا لنوصي كما يوصي المحتضرُ آلَه وصحبَه قبل الصعود للرفيق الأعلى. فمثلنا، نحن من نعارض الإخوان وأضرابهم، لن نصعد إلى السماء ونأنس بحضرة الله، بل سنهوي إلى أسافل الجحيم لتأكلنا الشياطينُ الكؤود، ونكون وقودًا لجهنم. هكذا أخبرونا فندمنا على ثورتنا وقلنا يا ليتنا مِتنا قبل ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وكنّا نسياً منسياً.
قالوا سوف يرفعون المصاحفَ على أسنّة الرماح، كما رفعها معزولُ الشام "معاوية بن أبي سفيان" في وجه الجميل "علي بن أبي طالب" ربيبِ الرسول، بعد اليوم التاسع من معركة "صفّين" عام ٣٧ هجرية، فقلنا لهم ما قاله الإمام "علي": “ويحَكم نحن أولُ من دعونا لكتاب الله"، وأنتم مَن خرجتم عليه وخنتم أمانته وشوهتم اسمَ الله العليّ!
على مدار العام الماضي لم تكفّ اللجانُ الإخوانية الإلكترونية وميليشيات تويتر وفيس بوك ودواعش الدنيا الصغار عن إرسال التهديدات المقيتة إلى صفحتي وإيميلي وهواتفي: “سوف ننكّل بك أيتها المرأة الشريرة لأنكِ أحد من هدموا شرعية مرسي.” (كانوا يكتبونها هكذا: شرعية الرئيس د. مرسي، لكن قلمي يأبى كتابة ما يكتبون). وحدث أن فزتُ بجائزة أدبية رفيعة تمنحها رابطة إحياء التراث العربي في سيدني الأسترالية، هي جائزة "جبران العالمية"، وكان عليّ السفرُ لاستلام الجائزة يوم ٢٢ نوڤمبر الماضي. فأشاعت اللجان في طول جنبات تويتر وفيس بوك وعرضهما أنني هلعتُ وهربت إلى أستراليا خوفًا من القتل. وضحكتُ وضحك قرائي كثيرًا لكن الشائعة لم تتوقف رغم أن مُطلقها كائنٌ إخوانيٌّ رخو مختبئٌ في حضن العزيزة "قطر" التي هرب إليها أزلام الإخوان بعد ثورتنا الشريفة. سافرتُ وحملتُ إكليلَ جبران ووقعت يوم ٢٦ نوڤمبر كتابي الجديد "الملائكةُ تهبط في سيدني" في حفل مهيب حاشد، وامتلأتُ بهجةً وفرحًا وحبًّا. ولكن يوم ٢٨ يقترب، والويل قادمٌ على مصر! فماذا عساي أفعل؟ أبقى في سيدني برهةً من الوقت لأنجو بعنقي من هول اليوم المشهود؟ أم أعود لحتفي الذي ينتظرني على أبواب المطار كما أنذروني؟
ولم يكن سؤالا! لأن السؤالَ يحتمل الإجابات. وما سبق لا يحتمل بدائل. عدتُ عصر يوم ٢٨ نوڤمبر بعد رحلة يوم ونصف وطيران ٢٦ ساعة، وحرصتُ على ارتداء قميص أسود وجاكيت أسود لكي لا تبين على ملابسي الدماءُ التي ستطفر من عنقي لحظة الذبح؛ فأفوّت على كاميراتهم فرحة رؤيتي مضرجةً في دمائي. فماذا وجدتُ في مطار القاهرة؟ لا وجدتُ سيوفًا، ولا مصاحفَ مشهراتٍ أمام وجوه الكفار أمثالي، ولا وجدتُ مظاهراتٍ ولا ثوراتٍ ولا كانت هناك "انتفاضة الشباب المسلم" التي زعموا، فليسوا هم المسلمين، بل المسلمون هم جميع المصريين الشرفاء المسالمين، مسلمين ومسيحيين، لأن الناسَ قد سلموا من ألسننا وأيادينا، كما ينصُّ التعريف النبوي، عكس الإخوان والجهاديين والدواعش الإرهابيين، الذين ما سلِم أحدٌ من لسانهم ولا يدهم.
كانت القاهرة هادئة، على عكس صخبها. والشوارعُ شاغرة، عكس زحامها. ووصلتُ بيتي من المطار في خمس دقائق. والتقط لي أحد قرائي صورة بالمطار جوار حقائبي فنشرتها على صفحتي لأقول لهم: “ها أنا ذا في وطني مصر الذي لا أعرف لي وطنًا غيره، أعود يومَ وعيدكم، فأهلا بسيوفكم".
غير أني، لو كنتُ أعرفُ أن أولئك المتوعدين ليسوا إلا ظاهرةً صوتيةً ببغائية، وقرعَ طبول جوفاء، ومحض Big Mouth كما يقول البريطانيون، لمكثتُ في سيدني برهةً أخرى، لأني لي هناك قلباً تركته بعدما خبأته في صندوقِ أبنوسٍ مصقول في جوف جبال "الشقيقات الثلاث"، ولم أجلبه معي إلى هنا، خوفًا عليه من الذبح.