جامع الشيخ زايد الكبير(أرشيف)
جامع الشيخ زايد الكبير(أرشيف)
الجمعة 15 يناير 2016 / 09:36

خطبة الجمعة الموحدة في الإمارات بعنوان "خطورة التكفير"

نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 15 يناير(كانون الثاني) تحت عنوان "خطورة التكفير".

دعت خطبة الجمعة للتصدي للفكر التكفيري الدخيل على الأمة الإسلامية، وأوضحت مواضع النهي عنه والتحذير منه في الشريعة الإسلامية، وما قد ينتج عنه من أضرار يخلفها هذا الفكر الهدام من فساد وهلاك في الأرض، وحثت على مواجهته. 

نص الخطبة

أيها المسلمون: لقد جاء رسول الله برسالة عظيمة، تحقق الخير والسعادة للإنسان، وتكفل له السلام والوئام، والراحة والاطمئنان، وكان من أسس رسالته صلى الله عليه وسلم التصديق بأركان الإيمان التي بينها بقوله:" الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". فمن صدق بهذه الأركان فهو مسلم وإن قصر في العمل، وإن الإيمان محله القلب، ولا يطلع على ما في القلوب إلا علام الغيوب، ولا يجوز التشكيك في إسلام من نطق بالشهادة، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أنه أدرك رجلا يقاتل المسلمين في ساحة المعركة، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. فطعنه فوقع في نفسه من ذلك، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:" أقال: لا إله إلا الله وقتلته ؟". قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح. قال:" أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا".

التكفير
فلا يجوز تكفير أحد من المسلمين, وكيف يكفر وقد أتى بأفضل شعب الإيمان وأعلاها، قال صلى الله عليه وسلم :" الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله".

حكم شرعي
عباد الله: إن التكفير حكم شرعي، وهو حق لله تعالى وحده، وأناطه الحاكم بالقضاء ليتولاه ويحكم فيه، فإن أكبر ما يوصم به المسلم اتهامه بالكفر، وإخراجه من ملة الإسلام، وقطع صلته بالمسلمين، وما يترتب على ذلك من أحكام شرعية كالميراث والزواج والدفن, وغيرها، فكم زلت بالتكفير أقدام، وضلت أفهام، وخاضت ألسنة وأقلام، فالحذر من تكفير المسلمين بأقوال مغلوطة, وتأويلات خاطئة, تلبس على الناس دينهم, برفع شعارات براقة ظاهرها إقامة أحكام الدين، وحقيقتها هدم الدين، قال الله تعالى:( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد).

فساد
وقد نشر التكفيريون الفساد في الأرض، وكفروا الحكام والعلماء, والشعوب والمجتمعات، والحكومات والجيوش، واتخذوا من التكفير ذريعة لاستباحة الدماء، وانتهاك الأعراض، ونهب الأموال، وقد بدأ هذا الوباء الفكري منذ ظهور الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكفروه، وامتد هذا الفكر إلى بعض الجماعات المتطرفة في عصرنا، فسلكوا سبيل أسلافهم الخوارج، وقتلوا الأنفس التي حرم الله بغير حق، وتركوا وصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". قال الإمام النووي: أي: لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا. وقال ابن عبد البر المالكي: والمعنى: النهي عن أن يكفر المسلم أخاه المسلم بذنب أو بتأويل.

نهي وتحذير
أيها المسلمون: وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التكفير, واعتبره مثل إهلاك المسلم وقتله, وذلك لخطورته وجسامته؛ فقال عليه الصلاة والسلام:" من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله". بل إننا نجد أن النهي قد بلغ مبلغه ووصل ذروته في حق من قام زورا برمي الناس بالكفر والضلال, فباء بإثم عظيم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه". أي: رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. وشدد صلى الله عليه وسلم التحذير من أن يكفر الرجل أخاه فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما". وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحدا من المسلمين.

دروس وعبر
وقد سار الصحابة رضي الله عنهم على هديه، واقتبسوا من سيرته ونهجه صلى الله عليه وسلم يحذرون الناس من التكفير، وينفرونهم منه، فعن أبي سفيان قال: قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: هل كنتم تقولون لأحد من أهل القبلة أي من المسلمين: كافر؟ قال: لا. قلت: فكنتم تقولون: مشرك؟ قال: معاذ الله.

وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الذين خرجوا عليه وقاتلوه: أمشركون هم؟ فقال: هم من الشرك فروا. فكل من كفر مسلما فقد تجاوز حده، وتعدى طوره، وشارك الله تعالى في حقه، ونازعه في أمره، لأن التكفير حق لله وحده.

فاللهم فقهنا في ديننا، واحفظ بلادنا، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

الخطبة الثانية
أيها المصلون: إن أولى ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم والرجوع إلى العلماء، فهم ورثة الأنبياء، وقد أمرنا الله تعالى بسؤالهم ومراجعتهم فقال جل شأنه:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم، فإذا أخذوه من صغارهم وشرارهم هلكوا، لأن الشيخ قد زالت عنه حدة الشباب وعجلته، واستصحب التجربة والخبرة، فلا تدخل الشبهة في علمه، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان.

فكر دخيل

وحري بنا أن نتصدى لهذا الفكر الدخيل على أمة الإسلام والسلام، فإنه يفرق ولا يجمع، ويهدم ولا يبني، وأن نتمسك بحبل الله المتين، ووحدة بلادنا، وطاعة حكامنا، فإن طاعتهم من طاعة ربنا عز وجل، وأن ندعو لهم بالتوفيق والفلاح.