الكاتبة فاطمة ناعوت والأيزيدية شيرين فخرو على في أربيل (أرشيف)
الثلاثاء 5 نوفمبر 2019 / 20:29
كنت أتمنى أن أرى لمعةَ الفرح في عينيها الحزينتين. أو ظلال ابتسامة ساخرة تومض خلسة على زاوية شفتيها، حتى وإن سرعان ما تختفي ليعود الأسى المقيم. وكيف يسكن الفرح عيوناً عايشتِ القهر والإذلال والانتهاك الجسدي أياماً وأسابيعَ وشهوراً وسنوات؟!
داعش فكرة خبيثة نبتت بتحالفات دولية شيطانية تروم السيطرة على ثروات العالم وامتلاك السلطان على البشرية. وخفوتُ الفكرة، أو موت رأسها، لا يعني انتهاءها
كنت أرجو أن أصافحها، أن أُقبلها وأعانقَها، في ذلك اليوم، كما عانقتها قبل ستة أشهر في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراقية، في أبريل (نيسان) الماضي. من بين مليارات البشر في هذا العالم الواسع، لم أفكر إلا فيها في تلك اللحظة التاريخية العظيمة. من بين كل ما قرأت من مآسٍ عن الأيزيديات اللواتي دفعن الفاتورة الباهظة المخيفة، تمنيت أن ألتقي بتلك الفتاة الجميلة على وجه التحديد، ولو لخمس دقائق فقط، يوم هلاك الإرهابي المجرم أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الدموي، آكلي لحوم البشر، مغتصبي أجساد النساء.
شيرين فخرو، البطلة الأيزيدية، وكل الإيزيديات اللواتي ذُقن الويل على يد مجرمي داعش بطلات. لكنها الوحيدة من بينهن التي التقيت بها وجهاً لوجه، وحادثتها وسمعت وجعها وعانقتها وبكيت على إيقاع دموعها، التي لم تنزل من مُقلتيها، بل تجمدت مثل لؤلؤ بلوري عنيد وصلد، يأبى أن يسيل على الوجنات حتى لا يشفّ عن انكسار الروح.
في معرض أربيل الدولي للكتاب، في أبريل (نيسان) الماضي، أقامت دار "المدى" للكتاب ندوة لتلك الجميلة، لتحكي جانباً من فظائع تنظيم داعش الإرهابي، عايشته تلك البطلة وخرجت منه رافعةَ الرأس، رغم الإذلال، قويةً، رغم انتهاك الجسد، مُصرةً على استئناف الحياة، رغم معايشة الموت اليومي على مدى عامين تحت مظلة داعش السوداء.
تُرى كيف استقبلت تلك الجميلة خبر هلاك المجرم السفاح أبو بكر البغدادي؟ الرجل الذي ترك ثأراً في كل بيت من بيوت هذا الكوكب. الرجل الذي حفر نُدبةً في كل قلب من قلوب بشر هذا العالم. هل فرحتْ شيرين كما فرحنا نحن، الذين قرأنا عن الأهوال ولم نعشها كما عاشتها؟ أم تُراها كانت تود قتله بيديها لتثأر لشرفها، وكرامتها، وجسدها، وأرواح من استشهدوا من أهلها على يد عصابة داعش؟ بحثت عن رقمها في هاتفي لأتصل بها، فلم أجده.
فكرت أن أخاطبها في هذا المقال، علها تقرأه يوماً لتعلم أن شقيقة مصرية لها لم تنسها يوماً منذ عرفتها. حين صافحتها في كردستان، عانقتها وكأنما أردتُ أن أغطي جسدها الموجوع بزفرات روحي وخفقات قلبي.
كنت أعتذر لها، فتندهش! كنت أعتذر لها نيابةً عن كل العالم الذي وقف صامتاً بينما كانت تغتصبُ وتُنتهك آدميتها هي وآلاف من الكريمات مثلها من جميلات هذا العالم، الأيزيديات اللواتي لن يغفر التاريخ ما ارتُكب في حقهن على يد داعش الرخيصة.
في نهار واحد، قتل داعش 700 فتاة وامرأة ورجل من الأيزيديين، وسبا واغتصب مئات النساء والطفلات والفتيات. منهن الطبيبة ناديا مراد التي فازت فيما بعد بجائزة نوبل للسلام 2018.
تناوبت ذئابُ داعش الجائعة على الفتيات ضرباً واغتصاباً جنسياً. كانت ضباع داعش تترك الفتيات عاريات دون ملابس، ليكن جاهزات للشياطين الذين يتبجحون برفع لواء الدين، وكل دين منهم براء.
عاش أبو بكر البغدادي كأي ضبع خائف مُتخفياً في بطون الجبال المظلمة مثل أي جبان، ثم هلك ونفق مُطارداً من الكلاب المُدربة على مطاردة اللصوص والمجرمين.
ويبقى السؤال: هل بموت البغدادي وتفكك الدولة الداعشية من قبل هلاكه، سقط داعش كتنظيم؟ بالطبع لا.
داعش فكرة خبيثة نبتت بتحالفات دولية شيطانية تروم السيطرة على ثروات العالم، وامتلاك السلطان على البشرية.
وخفوت الفكرة، أو موت رأسها، لا يعني انتهاءها. انتهاؤها يحتاج جهوداً تنويريةً دوليةً تجتث من الرأي العام العالمي جميع خلايا سرطان الإرهاب، والإقصاء، والتسيد، والترويع باسم الدين.
كلّ إنسان فوق ظهر هذا الكوكب عليه "فرضُ عين" أن يحارب منهج استخدام "اسم الله" في ترويع البشر، لأن ذلك النهج هو الذي شوه صورة الإسلام، وشوه صورة المسلمين في عيون العالم.
هلك أبو بكر البغدادي وهلك خليفته، وسيهلك من يخلفه، ولكن الأهم من هلاكهم، هلاك الفكرة الداعشية المعادية للدين والإنسان. العُقبى لداعش كفكرة، وليس فقط كتنظيم. صديقتي شيرين فخرو، التي لم ألتق بها سوى مرة، أحبك وأصافحك.