آثار القصف الإسرائيلي على مستشفى غزة الأوروبي (أرشيف)
الخميس 15 مايو 2025 / 12:20
أعادت الضربات الإسرائيلية على مستشفى رئيسي في جنوب غزة، أول أمس الثلاثاء، في محاولة لقتل أحد كبار قادة حماس، تسليط الضوء مجدداً على إحدى أكثر قضايا الحرب إثارة للجدل: الهجمات الإسرائيلية على المنشآت الطبية، واستخدام حماس لمثل هذه المواقع لأغراض عسكرية، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
فقد أسفرت الهجمات على مجمع مستشفى غزة الأوروبي، بالقرب من خان يونس عن مقتل ما لا يقل عن 6 أشخاص، وفقاً للسلطات الطبية في غزة، كما خلّفت حفراً عميقة عدة داخل محيط المستشفى وحوله، بحسب ما أظهرته مقاطع فيديو صُوّرت في الموقع، وتم التحقق منها من قبل الصحيفة.
تدمير القطاع الصحي
وفي هجمات منفصلة، قُتل العشرات في شمال غزة خلال الليل نتيجة ضربات إسرائيلية، حسبما أفاد به مسؤولون صحيون فلسطينيون، أمس الأربعاء.
وحتى في حرب دمّرت القطاع الصحي في غزة، نادراً ما شنّت إسرائيل هجوماً بهذه القوة على مجمّع صحي، كما حدث في الضربة التي ألحقت أضراراً بمستشفى غزة الأوروبي، أول أمس الثلاثاء.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه كان يستهدف مركز قيادة لحماس يقع تحت المجمع، فيما أفاد مسؤولون إسرائيليون، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم لكشف تفاصيل حساسة، أن الهدف المحدد كان محمد السنوار، القائد الكبير في حماس.
من جانبه، قال عماد الحوت، مدير المستشفى، في مقابلة هاتفية مع الصحيفة، إن "الضربات التي قال إنها نُفذت دون سابق إنذار، تسببت في تدمير الجدران والأنابيب، وقطعت إمدادات المياه، وأخرجت المستشفى عن الخدمة، وأجبرت معظم المرضى البالغ عددهم 200 على الإخلاء".
ونفى الدكتور الحوت، وجود مقاتلين من حماس داخل مجمع المستشفى، مضيفاً أنه لا يعتقد أن الجماعة حفرت أنفاقاً تحته، وإن كان لا يستطيع استبعاد ذلك بشكل قاطع.

إبادة جماعية
وبالنسبة لناشطي حقوق الإنسان والمنظمات الدولية الرقابية، فإن الهجمات على المنشآت الطبية عززت الاتهامات بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، جزئياً من خلال تدمير نظامهم الصحي.
وبحلول أوائل مايو (أيار) الجاري، كانت منظمة الصحة العالمية قد وثّقت 686 هجوماً على منشآت صحية في غزة منذ بداية الحرب. وأدّت هذه الهجمات إلى تدمير ما لا يقل عن 33 من أصل 36 مستشفى في غزة، وفقاً للمنظمة، وقد خرج ما لا يقل عن 19 منها عن الخدمة في وقت من الأوقات، فيما عاد 5 منها للعمل لاحقاً.

وكانت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، قد خلصت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى أن هذه الهجمات شكّلت مجتمعة "سياسة ممنهجة لتدمير نظام الرعاية الصحية في غزة".
وأما بالنسبة لإسرائيل ومؤيديها، الذين ينفون بشدة مزاعم الإبادة الجماعية، فإن مثل هذه الهجمات تُعدّ رداً ضرورياً وقانونياً على استخدام حماس للمستشفيات لأغراض عسكرية. وتقول إسرائيل إن حماس تستخدم المستشفيات بانتظام، وكذلك الأنفاق والملاجئ تحتها، كمراكز قيادة، وأماكن للاختباء، ومخازن للأسلحة.
درع مدني
وتنفي حماس بشدة هذه الادعاءات، لكن المسؤولين الإسرائيليين يقولون إن الجماعة حولت القطاع الصحي في غزة بشكل أساسي إلى درع مدني لأنشطتها العسكرية.
وذكر الجيش الإسرائيلي في منشور على موقعه الإلكتروني، أشار إليه متحدث باسم الجيش بديلاً عن التعليق على هذا المقال "استخدام المستشفيات لأغراض إرهابية يُعد من الأساليب الأساسية لعمل حماس"، وأضاف "البنية التحتية الإرهابية في المستشفيات تهدف إلى ضمان أقصى حماية لمقاتلي حماس خلال أوقات الحرب".
وقد أظهرت مقابلات مع أعضاء من حماس وجنود إسرائيليين يعملون في غزة، إلى جانب أدلة أخرى، أن حماس استخدمت بعض المنشآت الطبية لإخفاء مداخل تقود إلى شبكتها الواسعة من الأنفاق العسكرية، وتخزين الأسلحة، وتمركز مقاتلين. كما أفاد فلسطينيون بأنهم شاهدوا مقاتلي حماس يعملون داخل منشآت صحية، سواء في هذه الحرب أو في صراعات سابقة.
وفي مارس (آذار) 2024، تحصن عدد من المسلحين داخل مستشفى الشفاء، أحد أكبر المستشفيات في مدينة غزة، ما أدى إلى معركة استمرت عدة أيام مع الجيش الإسرائيلي.
وبموجب قوانين النزاع الدولية، تُعتبر المستشفيات مواقع محمية لا يجوز مهاجمتها إلا في ظروف نادرة. وقد يؤدي استخدام المستشفى لأغراض عسكرية إلى جعله هدفاً مشروعاً، لكن فقط إذا كان الضرر المتوقع على المدنيين متناسباً مع الميزة العسكرية المتوقعة من الهجوم.
وإضافةً إلى ذلك، ينص القانون على أن القوة المهاجمة يجب أن توجه تحذيراً مسبقاً قبل شن ضربة على مستشفى، وهو ما لم تفعله القوات الإسرائيلية قبل ضرب مستشفى غزة الأوروبي.
انتهاك القوانين الإنسانية
وقال لورانس هيل-كوثورني، خبير في قوانين النزاع المسلح بجامعة بريستول في إنجلترا: "إذا استخدمت حماس مستشفى لتوفير غطاء لمركز قيادة وسيطرة عسكري، فإن ذلك يُعد انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي، وقد يعني من حيث المبدأ أن المستشفى يفقد حمايته التلقائية من الهجوم".
وأضاف "لكن إسرائيل ملزمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، بتوجيه تحذير قبل مهاجمة المستشفى لإتاحة الفرصة للمدنيين للإخلاء. كما أن الهجوم سيكون غير قانوني إذا تسبب في ضرر مفرط للمدنيين".
ويقول خبراء القانون الدولي، إن تقييم الضرر المحتمل للمدنيين يجب أن يأخذ في الاعتبار تأثير الضربة على النظام الصحي في المنطقة ككل، وليس فقط على المستشفى المستهدف.

وفي غزة، حيث تضررت العديد من المراكز الصحية أو خرجت عن الخدمة، يصبح من الصعب جداً إيجاد مبرر قانوني للهجمات على المستشفيات، وفقاً لما قالته يانينا ديل، خبيرة في قوانين النزاع المسلح في جامعة أكسفورد.
وقالت البروفيسورة ديل: "أجد صعوبة في تصور ما هي الفائدة العسكرية المتوقعة، التي يمكن أن تجعل أي هجوم على مستشفى في غزة حالياً متناسباً".
وقد رفض الجيش الإسرائيلي، التعليق على عدم توجيه تحذير قبل الضربة على مستشفى غزة الأوروبي. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بمناقشة الأمر علناً: إن "الجيش قد أجرى تقييماً لقانونية الضربة، وخلص إلى أنها تتماشى مع القانون الدولي".