السبت 30 أغسطس 2025 / 22:04

نهاية الحرب الأوكرانية.. سلام هش أم استنزاف يُعيد رسم خريطة أوروبا؟

طرح المفكر الاستراتيجي الأمريكي غراهام أليسون، الأستاذ في جامعة هارفارد، تساؤلات حاسمة حول مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية، والخيارات الضيقة المتاحة أمام كييف في المرحلة المقبلة.

ورأى الكاتب في مقاله بموقع مجلة "ناشونال إنترست" أن أوكرانيا أمام خيار صعب: إما إنهاء الحرب سريعاً بما يعني عملياً التنازل عن أراضٍ تحتلها روسيا وإما مواصلة القتال مع ما يحمله ذلك من خسائر بشرية ومادية وإقليمية إضافية.

خرائط على طاولة التفاوض

قال غراهام أليسون أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حضر إلى لقائه مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب حاملاً خريطة لبلاده، غير أن ترامب سبقه إلى ذلك؛ إذ كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أعدت خريطة ضخمة وُضعت في المكتب البيضاوي لتوضيح خطوط المواجهة الممتدة بطول 750 ميلاً بين القوات الروسية والأوكرانية.

أبرزت الخريطة واقعاً صادماً: روسيا تسيطر حالياً على معظم خمس مقاطعات أوكرانية، أي ما يعادل نحو خُمس مساحة البلاد، أي ما يقارب 44 ألف ميل مربع. لتقريب الصورة، قارن أليسون هذه المساحة بالولايات الأمريكية، حيث توازي تقريباً المساحة الكاملة لولايات مين وفيرمونت ونيوهامبشير مجتمعةً.

استدعاء التاريخ والجغرافيا

وأشار أليسون إلى أن أوكرانيا منذ استقلالها عام 1991 ورثت مساحة هائلة قدرها 233 ألف ميل مربع، تعادل تقريباً مساحة كل نيو إنجلاند بالإضافة إلى ولايات كبرى مثل نيويورك وبنسلفانيا وفيرجينيا وميريلاند.

لكن منذ عام 2014 بدأت الخسائر الإقليمية تتراكم. فقد ضمّ فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم وأجزاء من دونيتسك ولوغانسك. ثم جاءت حرب فبراير (شباط) 2022 التي سعت موسكو من خلالها لابتلاع بقية الدولة الأوكرانية. واليوم تسيطر روسيا على مساحات واسعة من أربع مقاطعات، بما يضمن لها "ممراً برياً" نحو القرم وقاعدة سيفاستوبول البحرية.

منطق "مقايضة الأراضي"

يبرز أليسون أن ترامب، بخلفيته في عالم العقارات، دخل الاجتماع وهو مستعد للحديث بلغة "المقايضات". ففي خريطته، تظهر النسب المئوية من الأراضي التي تسيطر عليها موسكو في كل مقاطعة. وإذا قبل زيلينسكي بمطلب بوتين بالتنازل عن الربع المتبقي من دونيتسك، فإن ذلك سيكون خسارة تعادل على الخريطة الأمريكية ولاية ديلاوير.

لكن أوكرانيا ترفض من حيث المبدأ التنازل عن أي شبر. يذكر غراهام أليسون هنا بأمثلة تاريخية: ألمانيا الغربية لم تتخل عن حلم استعادة أراضيها المحتلة بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية لم تتخل عن مطالبتها بالشمال. في المقابل، هناك مثال فنلندا التي تنازلت بعد الحرب العالمية الثانية عن 10% من أراضيها للاتحاد السوفيتي، وفضّلت التركيز على نهضتها الداخلية.

واقع مرير وخيارات محدودة

خلص الكاتب إلى أن الحقائق على الأرض تفرض نتيجتين أساسيتين: أولاً؛ ستبقى روسيا مسيطرة على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية. ثانياً؛ ستبقى أوكرانيا متمسكة بمطالبها باستعادة كامل أراضيها المعترف بها دولياً.

لكن السؤال، وفق أليسون، هو: ما مدى أهمية الفوارق بين الخيارات المتاحة الآن؟ فإذا كان استرداد "نيو إنغلاند" الأوكرانية بات غير واقعي، فهل يستحق الأمر التضحية بمزيد من الأرواح والقدرات لمنع خسارة ما يعادل "ديلاوير"؟

بل يذهب التحليل أبعد من ذلك: إذا عرضت روسيا الانسحاب من 400 ميل مربع في مناطق سومي وخاركيف – أي ما يعادل مساحة كيب كود – فهل يكون ذلك "مقايضة عادلة" مقابل تثبيت سيطرتها في الشرق والجنوب؟ بالطبع لا. لكنه قد يكون خياراً أقل كلفة من استمرار حرب تستنزف كل شهر مئة إلى مئتي ميل مربع إضافية من الأراضي الأوكرانية.

معضلة زيلينسكي

في خطابه بمناسبة يوم الاستقلال، شدد زيلينسكي على أن هدف بلاده هو بناء "أوكرانيا قوية بما يكفي لتعيش بأمن وسلام". لكن كما يوضح غراهام أليسون، يواجه الرئيس الأوكراني معضلة: هل يقبل بصفقة تضع حداً للحرب الآن بكل تبعاتها الثقيلة، أم يواصل الحرب مع خطر خسائر أكبر في الأرواح والأرض؟

ومع ذلك، يركّز زيلينسكي اليوم على قضية أكثر جوهرية: الضمانات الأمنية من أوروبا والولايات المتحدة. فهو يخشى أن تكون أي هدنة مجرد استراحة تعيد خلالها روسيا تنظيم صفوفها استعداداً لهجوم جديد.

الضمانات الأمنية.. أمل أم وهم؟

أبدى الكاتب تشككه في إمكانية توفير ضمانات أمنية فعّالة من الغرب لأوكرانيا، نظراً للانقسامات السياسية في أوروبا والولايات المتحدة. ومع ذلك، يراهن على أن مبادرة مشتركة بين واشنطن والعواصم الأوروبية قد توفر الحد الأدنى من الضمانات الكفيلة بتمكين كييف من قبول مقايضة "السيطرة المؤقتة على الأرض مقابل السلام".

الكلمة الأخيرة 

اختتم غراهام أليسون مقاله بالتأكيد أن الخيار في النهاية هو خيار أوكراني خالص، بعد أن أثبت الشعب الأوكراني عزيمة استثنائية في مواجهة محاولة بوتين محو دولتهم من الخريطة، ولكن القرارات المقبلة ستحدد ما إذا كانت كييف ستدخل مرحلة سلام هش مبني على تنازلات جغرافية، أم ستخوض حرب استنزاف طويلة قد تعيد رسم حدود أوروبا بأسرها.