الجمعة 17 أكتوبر 2025 / 23:27

باكستان وأفغانستان.. صدام الحلفاء القدامى

قال محمد أيوب، أستاذ فخري للعلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان، إن العلاقات بين باكستان وأفغانستان شهدت تحولاً جذرياً من التحالف الوثيق إلى العداء العلني، في مشهد يعكس كيف يمكن للجغرافيا والسياسة أن تعيدا رسم التحالفات القديمة. فبعد أن كانت إسلام آباد الحاضنة الأولى لحركة طالبان وداعماً رئيساً لعودتها إلى السلطة عام 2021، باتت اليوم تواجه حكومة كابول ذاتها في صدامات حدودية دامية وتراشق سياسي متصاعد.

من الرعاية إلى الخصومة

وقال مؤلف كتاب "من الأمن الإقليمي إلى العلاقات الدولية العالمية: رحلة فكرية (2024)"، إن الجيش الباكستاني، وهو صاحب القرار الحقيقي في البلاد، كان "القابلة" التي ساعدت في ولادة حركة طالبان في تسعينيات القرن الماضي، ثم ظل يدعمها سراً طوال العقدين التاليين حين كانت تخوض حرباً ضد الحكومة المدعومة من واشنطن.

وأضاف الكاتب أن إسلام آباد كانت ترى في طالبان حليفاً استراتيجياً يوفر لها "عمقاً دفاعياً" ضد الهند، ويمنحها القدرة على مواجهة خصمها التاريخي من موقع أكثر أماناً.

لكن الحسابات الباكستانية، كما أوضح الكاتب، انقلبت إلى "خطأ استراتيجي فادح". فطالبان التي كانت يوماً أداة بيد باكستان، تمردت على وصايتها وأظهرت نزعة استقلال متزايدة، بلغت ذروتها في الاشتباكات الحدودية الأخيرة التي أسفرت عن عشرات القتلى من الجانبين.

طالبان ترد بالمثل

وتابع الكاتب أن الضربة الباكستانية الجوية داخل الأراضي الأفغانية بحجة استهداف مواقع حركة "تحريك طالبان الباكستانية"، فجّرت غضب كابول، لا سيما أن الحركة الأخيرة تضم مقاتلين من العرق البشتوني ذاته الذي يشكل العمود الفقري لطالبان الأفغانية.

وردت الأخيرة بإهانة دبلوماسية لباكستان، إذ تزامنت المواجهات مع زيارة وزير خارجيتها أمير خان متقي إلى نيودلهي، حيث وجّه تهديدات علنية لإسلام آباد، ووقّع بياناً مشتركاً مع الهند يؤكد "احترام وحدة الأراضي" بين الجانبين، في إشارة ضمنية إلى تأييد الموقف الهندي من قضية كشمير.

جذور الأزمة

وأوضح الكاتب أن التوتر بين البلدين ليس وليد اليوم، بل يمتد إلى لحظة ولادة باكستان عام 1947 حين رفضت أفغانستان التصويت لصالح عضويتها في الأمم المتحدة، احتجاجاً على "خط دوراند" الذي رسمه البريطانيون كحد فاصل بينهما. فقد قسم هذا الخط أراضي القبائل البشتونية بين الدولتين، ما جعل كابول تنظر إليه كـ"جريمة استعمارية"، بينما اعتبرته إسلام آباد خطاً فاصلاً شرعياً لا نقاش فيه.

وأضاف الكاتب أن البعد العرقي للبشتون غذّى النزعة الانفصالية على جانبي الحدود، الأمر الذي جعل باكستان تنظر إلى أفغانستان دوماً كتهديد وجودي محتمل، خصوصاً مع تنامي علاقاتها مع الهند.

من الحرب الباردة إلى "الحرب على الإرهاب"

وأشار الكاتب إلى أن دعم باكستان للمجاهدين الأفغان في الثمانينيات، بالتنسيق مع واشنطن، كان يهدف إلى إقامة نظام موالٍ لها في كابول. ونجحت في ذلك مؤقتاً مع حكم طالبان بين عامي 1996 و2001، قبل أن تنقلب الموازين بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) واندلاع "الحرب على الإرهاب".

وقال الكاتب إن الولايات المتحدة أرغمت الرئيس الباكستاني برويز مشرف على الانضمام إلى تحالفها ضد طالبان تحت التهديد بـ"إعادة بلاده إلى العصر الحجري". ومع ذلك، احتفظت باكستان بعلاقات سرية مع طالبان، إذ وفّرت لها ملاذاً آمناً في كويتا، بينما واصلت دعمها لواشنطن لوجستياً. وهكذا ظلت السياسة الباكستانية، على حد وصف الكاتب، رهينة "ازدواجية قاتلة" أضعفت مصداقيتها لدى الطرفين.

تحالفات تتبدل ومصالح لا تتغير

وأضاف الكاتب أن باكستان واصلت دعم طالبان حتى سقوط كابول بيدها عام 2021، لكنها فوجئت بتحول سريع في موقف الحركة التي بدأت تميل نحو الهند، مدفوعة برغبتها في التحرر من الهيمنة الباكستانية واستثمار الدعم الهندي في مشروعات التنمية.

وأوضح الكاتب أن زيارة وزير خارجية طالبان إلى نيودلهي وما أعقبها من إعلان الهند إعادة فتح سفارتها في كابول، يمثّلان مؤشراً واضحاً على عودة "التحالف التاريخي" بين كابول ونيودلهي، بما يضع إسلام آباد في عزلة جيوسياسية متزايدة.

الصداقة تتحول إلى صراع 

وختم الكاتب مقاله قائلاً إن المشهد الراهن بين باكستان وأفغانستان ليس مفاجئاً بقدر ما هو عودة إلى "الوضع الطبيعي" في توازن القوى الإقليمي. فالصراع بينهما ظل كامناً خلف ستار التحالفات المؤقتة، وما نشهده اليوم ليس سوى إعادة إنتاج للتاريخ بأدوات جديدة.