الثلاثاء 10 فبراير 2026 / 23:39
في ظل تاريخ طويل من العداء والعقوبات والاشتباكات غير المباشرة، أثارت عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات في مسقط موجة واسعة من التكهنات حول احتمالات الفشل والانزلاق نحو مواجهة عسكرية. غير أن هذا التصور، وفق رؤية تحليلية، يغفل حقيقة أعمق مفادها أن مجرد انعقاد المحادثات يعكس إدراكاً متبادلاً لدى الطرفين بأن مسار التصعيد أثبت عجزه عن تحقيق نتائج حاسمة، وأن الدبلوماسية - رغم هشاشتها - تبقى الخيار الأقل كلفة والأكثر واقعية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
ماذا تعني العودة إلى التفاوض؟
وقال بامو نوري، باحث فخري في قسم السياسة الدولية في جامعة "سيتي سانت جورج" في لندن، في مقاله المعنون "إنذار كاذب: لماذا لا تقود محادثات إيران وأمريكا إلى الحرب؟" بموقع "آسيا تايمز" نقلاً عن موقع مجلة "كونفرزيشين"، إن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الدبلوماسية ستفشل، بل لماذا عاد الطرفان إلى التفاوض أصلاً بعد سنوات من القطيعة والتهديدات المتبادلة.
وأضاف الكاتب أن محادثات مسقط في السادس من فبراير (شباط) لا تمثل لحظة حسم نهائية، بل تشكل خطوة افتتاحية تهدف إلى اختبار إمكان فتح مسار دبلوماسي قابل للحياة.
أجواء قلق
وتابع الكاتب أن القلق الذي أحاط بالمحادثات مفهوم، في ظل تحذير واشنطن لمواطنيها من السفر إلى إيران، وطرح مسؤولين أمريكيين مطالب واسعة تتجاوز الملف النووي.
وأوضح الكاتب أن التاريخ الحديث في المنطقة حافل بأمثلة انهارت فيها المفاوضات وتحولت إلى صدامات عسكرية، إلا أن اعتبار أي تفاوض عداً تنازلياً للحرب يعكس سوء فهم لطبيعة الدبلوماسية.
مسقط بداية لا نهاية
وقال الكاتب إن الباحث في شؤون الدبلوماسية جيفري بيريدج، يؤكد أن أول مراحل أي مسار تفاوضي جاد تتمثل في بناء أرضية مشتركة حول القضايا الأساسية.
وأضاف الكاتب أن محادثات مسقط تندرج في هذا الإطار، إذ هدفت إلى توضيح المواقف، وتبادل الرسائل، ورسم الخطوط الحمراء، لا إلى إبرام اتفاق نهائي.
دلالات المشاركة الإيرانية
وأوضح الكاتب أن حضور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، شخصياً يعكس أهمية هذه الجولة بالنسبة لطهران، وسعيها إلى انتزاع اعتراف بدورها كفاعل إقليمي مشروع، لا كدولة منبوذة.
وتابع الكاتب أن المسؤولين الإيرانيين وصفوا أجواء اللقاء بالبناءة، وأكدوا نقل وجهات النظر عبر الوسيط العماني.
حسابات واشنطن
وقال الكاتب إن الولايات المتحدة جرّبت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية كل أدوات الضغط الممكنة ضد إيران، من العقوبات والعمليات السيبرانية إلى الضربات المحدودة واستهداف شخصيات بارزة.
وأضاف الكاتب أن هذه السياسات لم تؤدِّ إلى تغيير النظام ولا إلى استسلامه، ما يفسر عودة واشنطن إلى خيار التفاوض.
إيران أضعف لكن ليست منهارة
وأوضح الكاتب أن العقوبات ألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني، كما تراجعت قوة بعض حلفاء طهران في المنطقة، إلا أن النظام السياسي في إيران ما زال متماسكاً.
وتابع الكاتب أن الاحتجاجات الداخلية، رغم اتساعها وقمعها العنيف، لم تؤدِّ إلى انهيار الدولة.
الخطوط الحمراء الإيرانية
وقال الكاتب إن طهران ترى أن ملفها النووي هو المجال الوحيد القابل للتفاوض الجدي، في ظل فتاوى دينية تحرّم إنتاج السلاح النووي.
وأضاف الكاتب أن برنامج الصواريخ الباليستية والتحالفات الإقليمية يُنظر إليهما في إيران باعتبارهما جزءاً من منظومة الردع غير القابلة للمساومة.
مخاطر المبالغة في المطالب
وأوضح الكاتب أن جمع ملفات النووي، والصواريخ، والسياسة الإقليمية، والإصلاح الداخلي في سلة تفاوضية واحدة يمثل نوعاً من الإفراط في الطموح.
وتابع الكاتب أن التقدم الأكثر واقعية يمر عبر ترتيب الأولويات، بدءاً بالنووي ثم الانتقال تدريجياً إلى قضايا خفض التصعيد.
الدبلوماسية خيار أقل كلفة
تؤكد تجربة العقود الماضية أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تجلب استقراراً دائماً، بل غالباً ما تفتح أبواب الفوضى والصراعات بالوكالة.
وفي هذا السياق، تبدو محادثات مسقط ـ مهما بدت محدودة ـ بمنزلة فرصة ثمينة لتفادي مواجهة كارثية. فالدبلوماسية بين واشنطن وطهران ليست إنذاراً بالحرب، بل محاولة أخيرة لتجنبها.