متحف زايد الوطني
الخميس 4 يونيو 2026 / 20:14
يمثل متحف زايد الوطني في العاصمة أبوظبي نموذجاً للمؤسسات الثقافية الحية التي لا تكتفي بعرض التاريخ، بل تعيد إحياءه عبر تبني منهجيات علمية تجريبية وشراكات بحثية عابرة للتخصصات، تهدف إلى تقريب الجمهور من ماضي دولة الإمارات وبناء جيل جديد من المؤرخين والباحثين.
"ماجان".. أقدم قوارب تجارة الخليج
يستند المتحف في عرضه للمقتنيات على أبحاث معمقة تمتد لسنوات؛ ومن أبرز الشواهد على ذلك "قارب ماجان" المستقر في ردهة المتحف بطول 18 متراً.
هذا القارب ليس قطعة أثرية عُثر عليها في التنقيبات، بل إعادة تجسيد كاملة ومطابقة للقوارب التي استخدمت للتجارة بين الإمارات وبلاد الرافدين وجنوب آسيا قبل أكثر من 4,000 عام، حيث أشرف على بناء القارب في عام 2024 فريق بحثي متكامل يضم أكثر من 20 متخصصاً من علماء آثار ومهندسين وصناع سفن، بالتعاون بين متحف زايد الوطني وجامعتي "زايد" و"نيويورك أبوظبي".
واعتمد الفريق على نصوص رُقم طينية قديمة لضمان الدقة التاريخية للمواد والتقنيات، وتوّج المشروع بإبحار القارب الفعلي في الخليج العربي بقيادة القبطان الإماراتي مروان عبد الله المرزوقي، حيث قطع 50 ميلاً بحرياً لاختبار قدراته الملاحية.

صالات تفاعلية تحكي قصة الإمارات
تضم أروقة المتحف ست صالات عرض دائمة، تسرد تاريخ المنطقة وسيرة الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه"، حيث تمتاز هذه الصالات بدمج القطع الأثرية مع تقنيات عرض تفاعلية وحسية متطورة.
ومن بين هذه الصالات، تبرز صالة "في سواحلنا"، التي تستعرض تطور المستوطنات الساحلية الرئيسية، من خلال تسليط الضوء على أنشطة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ وصيد الأسماك والتجارة، إلى جانب دورها في تعزيز التبادل التجاري والثقافي، وإسهامها في تشكيل الهوية الإماراتية.
كما تتناول صالة العرض "إلى أسلافنا" شواهد النشاط البشري في المنطقة الذي يمتد إلى نحو 300 ألف عام، إضافة إلى بدايات التبادل التجاري مع المجتمعات الأخرى في منطقة الخليج العربي.
أما صالة "عبر طبيعتنا"، فتأخذ الزوّار في رحلة عبر التنوع الطبيعي في دولة الإمارات، مع استعراض تأثير البيئة الجغرافية في تشكيل أنماط الحياة وإيقاعها عبر التاريخ.

مختبرات متطورة تحلل وثائق التاريخ
يضم المتحف بنية تحتية متكاملة للحفظ والترميم والبحث العلمي، تشمل مختبرات متخصصة للورق والمنسوجات والمقتنيات ثلاثية الأبعاد، واستوديو رقمي للتوثيق. وتتيح تقنية "التصوير متعدد الأطياف" للباحثين دراسة التفاصيل غير المرئية بالعين المجردة.
وساهمت هذه التقنية المتطورة في تقديم فهم أعمق لصفحات "المصحف الأزرق" (الذي يعود للفترة بين 800-900 ميلادي ويُعد من أهم نماذج الخط الإسلامي)؛ حيث أظهر الفحص الفني آيات قرآنية كانت حجبتها طبقات التذهيب الأصلية، مما أتاح للعلماء استقراء آليات صناعة المخطوطات الإسلامية المبكرة وفنونها بشكل أدق.

استدامة البحث العلمي عبر صندوق التمويل
تتكامل المرافق التقنية للمتحف مع إطار بحثي مستدام يمثله "صندوق منح متحف زايد الوطني للبحوث" الذي يقدم تمويلاً سنوياً بقيمة مليون درهم إماراتي لدعم مشاريع علمية متنوعة تشمل باحثين من الإمارات، ومصر، والصين، والهند، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وتنعكس مخرجات هذه البحوث مباشرة على تطوير معروضات المتحف وسرده التاريخي.
ومنذ تأسيس الصندوق في عام 2023، قدَّم الدعم لـ18 مشروعاً بحثياً من مختلف أنحاء العالم، إذ يستهدف دعم الباحثين المخضرمين والمبتدئين ممَّن تُسهم أعمالهم في تعميق الفهم المشترك لتاريخ دولة الإمارات وثقافتها.