خط إنتاج الدراجات في مصنع لهوندا (صحيفة نيكي آسيا)
الجمعة 3 يوليو 2026 / 00:19
في عام 1946، وسط دمار الحرب العالمية الثانية ونقص حاد في وسائل النقل والوقود في اليابان، بدأ المهندس الياباني سويتشيرو هوندا تجربة غير تقليدية تمثلت في تركيب محركات عسكرية صغيرة على الدراجات الهوائية.
هذه الفكرة البسيطة التي ولدت في ظروف اقتصادية صعبة وقيود صارمة على الإنتاج، كانت الشرارة الأولى لنشوء واحدة من أكبر شركات تصنيع الدراجات النارية في العالم، بحسب تقرير لموقع "سبيس ديلي".
لم يكن لدى هوندا أي شيء بعد أن لحق الدمار بأعماله السابقة نتيجة الحرب، إذ تعرضت شركته "توكاي سيكي" (شركة آلات البحر الشرقي الدقيقة)، التي أسسها عام 1937 كمقاول فرعي لشركة "تويوتا"، لكارثتين متتاليتين، بعد أن قصف مصنعها الأول عام 1944 في غارة جوية أمريكية بينما انهار المصنع الثاني في 1945 جراء زلزال "ميكاوا".
ويقول الموقع إن هوندا بات بلا أي قدرة إنتاجية، بحلول أغسطس (آب) 1945، مما دفعه إلى بيع ما تبقى من حطام شركته لـ"تويوتا" مقابل 450 ألف ين ياباني (ما يعادل تقريباً 30 ألف دولار أمريكي بالقوة الشرائية لعام 2026)، واستخدم هذه العائدات الضئيلة لتمويل مشروع جديد بدا مستحيلاً في ظل الظروف القاسية لليابان المحتلة.
بيئة اقتصادية خانقة
وفقاً لتحليلات أكاديمية حول النهضة الصناعية اليابانية، فرضت قيادة الحلفاء بقيادة الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر قيوداً صارمة، محددة سقف إنتاج السيارات اليابانية بألف شاحنة شاحنة و350 سيارة ركاب سنوياً فقط للمرافق المدنية الأساسية.
وتقول التحليلات إن سلطات الحلفاء حظرت صراحة إنتاج الدراجات النارية والدراجات البخارية باعتبارها "ألعاباً عديمة الفائدة"، ورغم رفع الحظر جزئياً عام 1946 بعد احتجاجات المصنعين أمام القصر الإمبراطوري، فإن النقص الحاد في المواد والوقود ورأس المال جعل التصنيع مستحيلاً للشركات الكبرى.
في المقابل، كانت الدراجات الهوائية وسيلة النقل الوحيدة المتاحة والمستخدمة بكثرة من المواطنين لقضاء حوائجهم وسط بنية تحتية مدمرة.
ويوضح التقرير أن هوندا أدرك وجود فجوة غير مخدومة بين الدراجة الهوائية والسيارة؛ وهي مركبة صغيرة بمحرك تخفف الجهد البدني وتناسب القدرة المالية للسكان، وتمثلت في إعادة تدوير مخزون ضخم من محركات ثنائية الأشواط (سعة 50 سم مكعب) فائضة عن الجيش الإمبراطوري الياباني، التي كانت تستخدم لتشغيل مولدات الراديو الميدانية وتوفير الطاقة لمعدات الاتصالات الحربية.
واستحوذ هوندا على 500 محرك من هذه المخزونات عبر أسواق الخردة، وبعد تجارب لتعديل آليات الدفع باستخدام أحزمة وسلاسل، اختبر أول نموذج أولي في أواخر صيف 1946 بواسطة زوجته "ساتشي"، التي قادت الدراجة في شوارع "هاماماتسو" وعادت وملابسها غارقة بالزيت بسبب عيب في "المكربن" جرى إصلاحه لاحقاً.
ويشير التقرير إلى أن المنتج طرح أمام الزبائن في في أكتوبر 1946،وشهد إقبالا كبيرا نظراً لاستهلاكه الأدنى للوقود الذي كان يخضع لتقنين صارم.
وبعد نفاذ المحركات العسكرية، قام هوندا بتطوير محركه الخاص "هوندا من النوع A" عام 1947، والذي عرف محلياً باسم "باتا باتا" بسبب صوته ودخانه الكثيف.
من الورشة إلى صدارة العالم
تأسست شركة "هوندا موتور" رسمياً في 24 سبتمبر (أيلول) 1948 برأس مال أولي قدره مليون ين ياباني و34 موظفاً فقط، وشكّلت تحالفاً مع رجل الأعمال "تاكيو فوجيساوا" الذي تولى الإدارة المالية والتجارية، تاركا الجانب الهندسي وتطوير المنتجات لهوندا.
وفي عام 1949، أطلقت الشركة أول دراجة نارية كاملة وهي "هوندا دي-تايب" (دريم) بقوة 3 أحصنة، وحققت نجاحاً ساحقاً، قبل أن تسيطر على نحو 70% من سوق الدراجات النارية اليابانية بعد ذلك بـ3 سنوات.
وفي عام 1959، أصبحت هوندا رسمياً أكبر مصنّع للدراجات النارية في العالم، وهو العرش الذي لم تتنازل عنه طوال 66 عاماً تلت ذلك.
أرقام تاريخية وإرث لا يموت
وتوضح السجلات العالمية حجم الإمبراطورية التي بناها الميكانيكي الياباني، إذ أنتجت الشركة ما يقارب 500 مليون دراجة نارية منذ تأسيسها، وهو رقم قياسي غير مسبوق، كما تعد دراجة "هوندا سوبر كاب" (المطلقة عام 1958) المركبة الآلية الأكثر إنتاجاً في التاريخ بـأكثر من 100 مليون وحدة.
بالصور: أبرز الدراجات النارية الجديدة في 2018 - موقع 24تحتل قيادة الدراجات النارية مكانة خاصة بين عشاق المغامرة. ويشهد عام 2018 طرح أنواع مختلفة من الدراجات النارية بدءاً من الرياضية مروراً بالإندورو وصولاً إلى الموديلات الفاخرة. ولا تزال موديلات الريترو الكلاسيكية تشهد ازدهاراً كبيراً.
واليوم، تصنف هوندا كأكبر مصنّع لمحركات الاحتراق الداخلي في العالم، بإنتاج يتجاوز 14 مليون محرك سنوياً للسيارات، الطائرات والسفن، وتبلغ قيمتها السوقية حوالي 32 مليار دولار أمريكي في عام 2026.
وتوفي سويتشيرو هوندا في 5 أغسطس 1991 عن عمر ناهز 84 عاماً بسبب فشل كبدي، وذلك قبل أيام من سباق الجائزة الكبرى المجري للفورمولا 1، حيث فاز السائق الشهير "أيرتون سينا" بسيارة "ماكلارين" المزودة بمحرك هوندا، مهديًا فوزه لروح المؤسس.