سبيكة ذهب إلى جانب دولار أمريكي (رويترز)
السبت 11 يوليو 2026 / 01:05
في 15 أغسطس (آب) 1971، ألقى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون آنذاك خطاباً تلفزيونياً أعلن فيه وقف تحويل الدولار إلى الذهب، في خطوة مؤقتة لحماية الاقتصاد الأمريكي من المضاربات الدولية. وسرعان ما شكّل القرار إحدى أكثر اللحظات تأثيراً في التاريخ الاقتصادي الحديث، عرف حينها باسم "صدمة نيكسون"، وفق "CNBC".
من "بريتون وودز" إلى أزمة الدولار
تعود جذور القصة إلى عام 1944، عندما وقّعت 44 دولة اتفاقية "بريتون وودز"، التي أرست نظاماً مالياً عالمياً جعل الدولار محوراً للنظام النقدي الدولي، وربطته بالذهب عند 35 دولاراً للأونصة، بينما ربطت بقية العملات بالدولار بأسعار صرف شبه ثابتة.
منح نظام "بريتون وودز" الولايات المتحدة موقعاً استثنائياً بعد الحرب العالمية الثانية، إذ امتلكت أكبر احتياطي ذهب في العالم، وأصبح الدولار العملة الرئيسية للتجارة الدولية والاحتياطيات النقدية. لكن هذا الامتياز جاء مقترناً بقيود، فبموجب الاتفاقية تعهدت واشنطن بتحويل الدولار إلى الذهب بسعر ثابت يبلغ 35 دولاراً للأونصة، ما ألزمها بالاحتفاظ باحتياطيات ذهبية كافية لتغطية الدولارات المتداولة.

وتشير شركة "آر بي إس" لإدارة الاستثمارات الدولية، في تقرير نشرته بمناسبة مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، إلى "أن اتفاقية بريتون وودز كرّست الدولار بوصفه حجر الزاوية في النظام النقدي العالمي، بعدما رُبطت العملات الرئيسية به، بينما بقي الدولار وحده قابلاً للتحويل إلى الذهب".
لماذا فكّت أمريكا ارتباط الدولار بالذهب؟
وأسهم ذلك في ترسيخ مكانة العملة الأمريكية على حساب عملات كبرى آنذاك، مثل الجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي، بالتزامن مع صعود القوة الاقتصادية الأمريكية وتراجع النفوذ الاقتصادي لبريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.
غير أن هذا التوازن بدأ يتصدع خلال ستينيات القرن الماضي. بالتزامن مع تعافي الاقتصادات الأوروبية واليابانية، خاصة في ظل ضغوط الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي سابقاً وتكلفة حرب فيتنام، وبدأت أمريكا تواجه مشكلات اقتصادية مهمة على رأسها ارتفاع مستوى التضخم وتراجع مستوى النشاط الاقتصادي.
ومع اتساع الفجوة بين حجم الدولارات المتداولة وكمية الذهب المتاحة لتغطيتها، بدأت بنوك مركزية وحكومات أجنبية تطالب بتحويل ما تملكه من دولارات إلى ذهب، ما هدد باستنزاف الاحتياطيات الأمريكية وأثار شكوكاً متزايدة بشأن قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاقية "بريتون وودز".
حينها قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعد التشاور مع كبار المسؤولين الاقتصاديين، وعلى رأسهم آرثر بيرنز رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ذلك الوقت، بإلغاء ربط الدولار بالذهب في عام 1971.
وبناءً عليه، أنهى القرار نظام أسعار الصرف الثابتة، وأصبح الدولار عملة تعتمد قيمتها على الثقة بالاقتصاد الأمريكي وسياسات الاحتياطي الفيدرالي، وأصبحت البنوك المركزية أكثر قدرة على إدارة أسعار الفائدة والسيولة دون التقيد بحجم احتياطيات الذهب، فيما توسعت أسواق العملات العالمية بصورة غير مسبوقة، وبدأ عصر العملات العائمة القائم حتى اليوم، وفق "ACY SECURITIES".
"البترودولار"
لم يكن الانتقال سهلاً، إذ تراجع الدولار وارتفع التضخم خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تظهر نقطة تحول جديدة عام 1974، عندما عززت الولايات المتحدة تسعير النفط بالدولار وإعادة استثمار جزء من العائدات النفطية في سندات الخزانة الأمريكية.
ومن هنا ظهر ما عُرف لاحقاً باسم "البترودولار"، الذي جعل معظم دول العالم بحاجة إلى الاحتفاظ بالدولار لتسديد وارداتها من النفط، ورسّخ مكانة العملة الأمريكية في التجارة الدولية، وفق منصة "avatrade".
فولكر يعيد الثقة بالدولار
ومع استمرار التضخم، تولى بول فولكر رئاسة الاحتياطي الفيدرالي عام 1979، متخذاً إحدى أكثر السياسات النقدية تشدداً في التاريخ، إذ رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قاربت 15% لكبح التضخم. ورغم الركود الذي تسبب فيه، نجحت سياساته في إعادة الثقة بالدولار، لتصبح مصداقية الاحتياطي الفيدرالي بديلاً عن الذهب في حماية قيمة العملة الأمريكية.
هل أضعف القرار الدولار؟
رغم قرار نيكسون بإنهاء الغطاء الذهبي. ازدادت مركزية الدولار في الاقتصاد العالمي، وأصبحت سندات الخزانة المرجع الأساسي للأصول الآمنة، فيما دخل الدولار في نحو 88% من معاملات سوق الصرف الأجنبي العالمية، وفق بيانات بنك التسويات الدولية نقلته "بلومبيرغ".
أكبر هبوط منذ 2008.. هل انتهى الرهان على "تحليق" الذهب؟ - موقع 24يواجه سعر الذهب أكبر انخفاض شهري منذ الأزمة المالية العالمية أواخر 2008، بفقده أكثر من ربع قيمته منذ صعد قمته التاريخية المسجلة مطلع 2026، ويتزامن ذلك مع عودة الأسواق لتسعير رهاناتها على أسعار الفائدة الأمريكية، لتتحول التوقعات من الحديث عن أونصة عند 6000 دولار إلى موجة خفض التوقعات السعرية بواقع ...
إرث مستمر حتى اليوم
بحسب خبراء "بعد أكثر من نصف قرن، لا يزال الاقتصاد العالمي يعمل وفق النظام الذي بدأ في أغسطس(آب) 1971. فالدولار لم يعد مدعوماً بالذهب، بل بثقة الأسواق، وقوة الاقتصاد الأمريكي، واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي". ولذلك لم يكن قرار نيكسون مجرد تعديل في السياسة النقدية، بل نقطة تحول أعادت صياغة النظام المالي العالمي، وغيّرت علاقة العالم بالذهب والدولار لعقود ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.