ترسانة الأسلحة الصينية "الاقتصادية".. أوراق ضغط تهدد سلاسل الإمداد العالمية
الإثنين 13 يوليو 2026 / 21:46
تتجاوز القوة الجيوسياسية للصين اليوم حدود حجم اقتصادها أو تفوقها الصناعي، لترتكز بصورة أساسية على ما يصفه خبراء الاقتصاد بـ"أسلحة سلاسل الإمداد"، المتمثلة في سيطرتها على معادن استراتيجية ومواد كيميائية وسلاسل إنتاج يصعب على العالم الاستغناء عنها.
وتكمن قوة هذه الترسانة في أن الصين لا تسيطر فقط على استخراج المواد الخام، وإنما على حلقات التصنيع اللاحقة التي تمنحها قيمتها الاقتصادية، وهو ما يجعل التخلص من الاعتماد عليها أكثر تعقيداً من مجرد افتتاح مناجم ومعامل جديدة في دول أخرى.
سلاح المعادن النادرة
جاءت المعادن النادرة كأولى أوراق النفوذ التي لفتت انتباه العالم لحرب بكين الاقتصادية، بعدما أدركت الحكومات الغربية أن الصين لا تهيمن فقط على إنتاجها، بل تسيطر أيضاً على عمليات فصلها وتكريرها، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً في الصناعة، لا سيما وأن هذه المعادن مثل الكوبالت والغرافيت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، تمثل مكونات أساسية في صناعة الطائرات العسكرية وأنظمة الدفاع الحديثة والسيارات الكهربائية والألواح الشمسية والهواتف الذكية.
ووفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تنتج الصين نحو 70% من المعادن الأرضية النادرة عالمياً، بينما تستحوذ على نحو 90% من عمليات الفصل والتكرير، من خلال السيطرة على مختلف سلسلة الإمداد، بدءاً من تمويل مشروعات التعدين في إفريقيا، مروراً باستخدام الخام وتكريره، وصولاً إلى امتلاك الموانئ والطرق وشبكات النقل التي تُصدَّر عبرها هذه المواد، مستفيدة من القارة الإفريقية التي تضم نحو 30% من الاحتياطيات المعدنية العالمية.
الأمر الذي يجعل كثيراً من الخام المستخرج في دول أخرى يعتمد في النهاية على المصانع الصينية قبل دخوله الأسواق العالمية.

السيطرة على البطاريات قبل السيارات
وضمن خططها الاستباقية المبكرة، أدركت الصين أيضاً أن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية سيجعل بطاريات الليثيوم أحد أهم ميادين المنافسة الاقتصادية، فاتجهت للسيطرة على المعادن الداخلة في تصنيعه، ليس عبر امتلاك المناجم فقط، وإنما من خلال أكبر قاعدة صناعية لمعالجتها وتكريرها.
وتنتج الصين اليوم نحو 80% من بطاريات الليثيوم أيون عالمياً، مدعومة بشركات عملاقة مثل CATL وBYD. كما يتوقع تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن تتجاوز القدرة التصنيعية الصينية للبطاريات الطلب العالمي بحلول 2030.
وقدّر التقرير أن تصل الطاقة الإنتاجية لخلايا البطاريات في الصين ما بين 5826 و6720 غيغاواط/ساعة بنهاية العقد، مقابل طلب عالمي يتراوح بين 4000 و5100 غيغاواط/ساعة، بما يعكس الفجوة الكبيرة بين القدرات الصينية وبقية الأسواق، كما يمنحها موقعاً مهيمناً في واحدة من أهم الصناعات المرتبطة بمستقبل النقل والطاقة النظيفة.

الفلور.. أخطر ورقة ضغط
وبينما ينشغل العالم بهيمنة الصين على المعادن النادرة، يبرز الفلور باعتباره أحد أكثر مصادر النفوذ الاقتصادي صعوداً، إذ تستحوذ بكين على نحو 69% من الإنتاج العالمي لخام الفلوريت (المادة الأساسية لاستخراج الفلور)، بإنتاج يقترب من 6 ملايين طن سنوياً.
كما تهيمن على أكثر من نصف الإنتاج العالمي لعدد من المشتقات الفلورية الأساسية، مثل حمض الهيدروفلوريك عالي النقاء وثلاثي فلوريد النيتروجين والبوليمرات الفلورية، وهي مواد لا غنى عنها في تصنيع أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والطيران والطاقة النووية.
وتكمن الأهمية الأكبر لهذه المنظومة في أن القيمة الاقتصادية للفلور لا تتولد من الخام نفسه، وإنما من القدرة على تحويله إلى مركبات متخصصة تحتاج إلى تقنيات معقدة وخبرات تراكمت على مدى عقود، وبالتالي يصعب الاستغناء عن الصين فيها بشكل سريع.

الغاليوم والجرمانيوم.. أول اختبار للسلاح الاقتصادي
تنتج الصين نحو 98% من الغاليوم منخفض النقاء عالمياً، ونحو 60% من الجرمانيوم، وهو ما استغلته في يوليو (تموز) 2023 لفرض نظام عالمي لترخيص صادرات المعدنيين بدعوى حماية الأمن القومي، وهو القرار الذي دخل حيّز التنفيذ في أغسطس (آب) من العام نفسه وأدى إلى تراجع حاد في الصادرات.
ورغم أن نظام التراخيص شمل جميع الدول، فإنه جاء على نطاق واسع رداً على القيود الأمريكية في قطاع أشباه الموصلات الصيني. ثم صعّدت بكين هذا النهج في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بفرض حظر كامل على تصدير الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون إلى الولايات المتحدة، لتنتقل من تنظيم الصادرات إلى استخدام القيود التجارية كأداة ضغط اقتصادي مباشرة.
الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى الشركات الغربية، وأكد أن بكين قادرة على التأثير في الصناعات المتقدمة عبر مواد قد تبدو هامشية، لكن لا غنى عنها في قطاع الصناعة.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
يرى الخبراء أن الخطأ الذي وقعت فيه الدول الغربية هو التركيز على تأمين مصادر الخام، بينما أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول بناء المصانع التي تحول هذه الخامات إلى مواد عالية التقنية. فامتلاك مناجم فلوريت أو ليثيوم خارج الصين لا يعني القدرة على إنتاج حمض الهيدروفلوريك الإلكتروني أو مكونات البطاريات أو البوليمرات المتخصصة، لأن هذه الصناعات تحتاج إلى سنوات من الاستثمار، وخبرات هندسية ممتدة، وسلاسل توريد متكاملة.
ورغم إطلاق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان برامج بمليارات الدولارات لتقليل الاعتماد على الصين، فإن محللين يرون أن إعادة بناء منظومات صناعية تضاهي النموذج الصيني قد تستغرق عقوداً.
وبذلك لم تعد بكين تمتلك مجرد احتياطيات ضخمة من المعادن، بل ترسانة اقتصادية متكاملة، تمنحها قدرة متزايدة على التأثير في سلاسل الإمداد العالمية، وتجعل المنافسة تدور حول من يسيطر على المنظومات الصناعية بأكملها، لا المناجم وحدها.