الإثنين 13 يوليو 2026 / 22:21

"تقطير النماذج".. مخاوف أمريكية من قفزة صينية في الذكاء الاصطناعي

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي يقتصر على تطوير نماذج أكثر قوة، بل انتقل إلى معركة جديدة حول امتلاك المعرفة والقدرة على إعادة استخدامها. وفي قلب هذا الصراع برزت تقنية "تقطير النماذج" (Model Distillation)، التي أثارت مخاوف أمريكية من استفادة شركات صينية من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة لبناء أنظمة منافسة بسرعة وكلفة أقل.

ووفقاً لوكالة "بلومبرغ"، عندما طرحت شركة Anthropic، إحدى الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي، نموذجها اللغوي الجديد "Claude Opus 5" في يونيو (حزيران)، ركزت على استراتيجيات تمنع استغلال تقنيتها في شن هجمات إلكترونية أو تطوير أسلحة بيولوجية أو كيميائية، كما حذرت من تقنية "تقطير النماذج"، معتبرةً أنها أصبحت أداة رئيسية في جهود الصين للحاق بالولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.

ما هو "تقطير النماذج"؟

تقطير النماذج (Model Distillation) أو "تقطير المعرفة"، أسلوب في تعلم الآلة يهدف إلى نقل قدرات نموذج ذكاء اصطناعي كبير ومتطور (المُعلّم) إلى نموذج أصغر وأكثر كفاءة (الطالب)، من خلال طرح عدد كبير من الأسئلة على النموذج الأصلي وتسجيل إجاباته، ثم استخدام هذه البيانات لتدريب نموذج جديد.تقرير: "خفض الكلفة" يشعل المنافسة بين عمالقة الذكاء الاصطناعي - موقع 24لم تعد المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي تقتصر على تطوير نماذج أكثر قوة وقدرة، بل انتقلت إلى ساحة جديدة عنوانها "خفض الكلفة".

وأثبتت هذه الطريقة فعاليتها في تطوير نماذج تحقق أداءً قريباً من الأنظمة المتقدمة في مهام محددة، ولكن بتكلفة أقل.

وتقول "بلومبرغ": "يمارس الأكاديميون والمطورون المستقلون هذه التقنية باستمرار دون جدل، أما استخدام تقطير النماذج لإنشاء منافس مباشر فهو أمر مثير للجدل، لكنه ليس نادراً". وتشير الوكالة إلى أن إيلون ماسك صرّح بأن شركة xAI استخدمت، جزئياً، عملية التقطير على نماذج ChatGPT لتدريب نظامها للذكاء الاصطناعي.

لكن، بحسب الوكالة، ترى مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية أن الشركات الصينية تستخدم هذه التقنية بصورة أكثر إثارة للقلق، وتربط هذه المخاوف بإطلاق شركة DeepSeek الصينية نموذج R1 عام 2025، وهو نموذج منخفض التكلفة أثار اهتماماً واسعاً لقدراته.

واتهمت كل من OpenAI وAnthropic شركات DeepSeek وMiniMax وMoonshot AI وغيرها من الشركات الصينية باستخدام تقطير النماذج في انتهاك لشروط الخدمة.

وفي رسالة إلى مسؤولين فيدراليين أمريكيين، يونيو (حزيران)، اتهمت Anthropic مجموعة "علي بابا" بتنفيذ أكبر حملة تقطير حتى الآن، ووصفت ما جرى بأنه هجوم "واسع النطاق".

طفرة نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة.. هل تتغلب على العمالقة؟ - موقع 24لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مجرد منافسة حول امتلاك النموذج الأكبر أو الأحدث، بل تطور الأمر إلى من يمتلك النموذج الأنسب لكل مهمة وبأقل تكلفة في ظل التنافس السعري بين مختلف النماذج حالياً، من أجل الوصول إلى النموذج الأكثر ملاءمة لوظيفة معينة، بالتكلفة المناسبة، ومع البيانات المطلوبة، وفي البيئة ...

وفي واشنطن، بات هذا الأسلوب يُعرف باسم "التقطير العدائي"، فيما أبلغت شركات أمريكية إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن هذه الممارسات "قد تصبح تهديداً وجودياً".

وتقول مصادر مطلعة لـ"بلومبرغ" إن الاعتقاد السائد لدى العاملين في القطاع هو أن الذكاء الاصطناعي قد يقترب من مرحلة يصبح فيها قادراً على تطوير نفسه بصورة يصعب السيطرة عليها.

ورفضت السفارة الصينية في واشنطن هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها "ادعاءات لا أساس لها من الصحة، وهجوم متعمد على تطور الصين وتقدمها في صناعة الذكاء الاصطناعي".

وفي البداية، فرضت وزارة التجارة الأمريكية قيوداً على الوصول إلى نموذج Anthropic الجديد، قبل أن تُرفع لاحقاً من دون التوصل إلى حل واضح لمسألة "تقطير النماذج".

وتشير "بلومبرغ" إلى أن "الاستراتيجيات الرامية إلى الحد من فعالية هذه التقنية قد تفرض تنازلات لا ترغب شركات الذكاء الاصطناعي في قبولها، كما يثار خلاف بشأن ما إذا كان استخلاص البيانات يُعد شكلاً من أشكال سرقة أعمال الآخرين، أم أن الشركات الرائدة تبالغ في إثارة مخاوف الأمن القومي سعياً إلى الحفاظ على ميزتها التجارية".

ويقول هارولد مانسفيلد، المستشار المستقل في مجال الذكاء الاصطناعي: "مشكلتي الرئيسية هي وصف شركة Anthropic لهذا الأمر بأنه هجوم"، مضيفاً أن الشركة "تستغل علاقتها بالحكومة في محاولة لترسيخ مكانتها كلاعب عالمي مهيمن وإبعاد المنافسين".

في المقابل، يرى مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا، أن "التقطير، عندما يُستخدم بشكل مشروع لإنتاج نماذج أصغر من أنظمة أكثر تطوراً، يُعد جزءاً حيوياً من منظومة الابتكار، لكن لا يوجد أي ابتكار في استخلاص ونسخ ابتكارات الصناعة الأمريكية بصورة منهجية".

وتضيف "بلومبرغ" أن الإدارة الأمريكية بدأت مشاركة مزيد من المعلومات مع الشركات لمساعدتها على كشف أي إساءة استخدام محتملة لنماذجها، كما اقترح مشرعون من الحزبين مشروع قانون يهدف إلى تمكين الإدارة من فرض عقوبات على الجهات الصينية المتورطة في عمليات تقطير واسعة النطاق.

في المقابل، ترفض الصين هذه الاتهامات، وتعتبرها محاولة للحد من تطورها التكنولوجي.

وبينما لا يزال الجدل قائماً حول حجم تأثير هذه الممارسات، تكشف قضية "تقطير النماذج" عن تحول جديد في سباق الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم تعد المنافسة فقط على تطوير النموذج الأقوى، بل على القدرة على الوصول إلى المعرفة التقنية وتحويلها إلى أدوات أكثر كفاءة وأقل تكلفة.