الخميس 16 يوليو 2026 / 13:31
بدأت شركات شحن عالمية بإعادة مسار بعض خطوطها إلى قناة السويس، لكن بخطوات حذرة لا ترقى حتى الآن إلى عودة كاملة، بعد 3 سنوات على هجرة هذا الشريان التجاري الحيوي على وقع الاضطرابات من حرب غزة إلى جبهة اليمن، وفي الأثناء، يتواصل الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح، تحسباً لأي تغير جديد في الأوضاع الأمنية بالبحر الأحمر.
وأعلنت شركتا "ميرسك" و"هاباغ لويد"، في 6 يوليو (تموز) الجاري، تغيير مسار خدمة AE15 التابعة لشبكة "جيميني"، بين آسيا والبحر المتوسط وأوروبا، بحيث تمر عبر قناة السويس بدلاً من رأس الرجاء الصالح. ووصفتا هذا التحول الجزئي بأنه بداية لعودة تدريجية إلى ممر السويس، الممر المائي الوحيد بين شطري العالم من آسيا إلى أوروبا والأمريكتين عبر البحرين الأبيض والأحمر منذ قرن ونصف.
وتكشف الأرقام حجم ما تمثله قناة السويس من أهمية للاقتصاد المصري والتجارة العالمية، ففي 2023 حققت إيرادات قياسية بحدود 10.25 مليار دولار قبل الحرب الإسرائيلية على غزة. واستوعبت آنذاك بين 12% و15% من حركة التجارة العالمية. ولكن عدد السفن هبط في 2024، وتراجعت الإيرادات إلى أقل من النصف، 3.991 مليار دولار.

عودة حذرة
شركة "ميرسك" تؤكد أن القرار يخص خدمة واحدة، لافتة إلى أنها "لا تضع حتى الآن جدولاً زمنياً لإعادة كامل شبكة الشرق والغرب إلى قناة السويس". كما تحتفظ بخطط تسمح "بإعادة رحلات منفردة أو الخدمة بأكملها إلى رأس الرجاء الصالح في حال تدهور الوضع الأمني".
وبعد 3 أيام، أعلنت "ميرسك" إعادة خدمة MECL، التي تربط الهند والشرق الأوسط بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، للمرور مجدداً عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وأوضحت الشركة أن العودة إلى المسار الأقصر ستوفر نحو 7 أيام في الرحلات المتجهة غرباً، وما يصل إلى 14 يوماً في الاتجاه المعاكس.
وفي 13 يوليو (تموز)، أضافت "ميرسك" خدمة WAF6 إلى الخطوط العائدة، وهي خدمة تربط الشرق الأوسط والبحر المتوسط وغرب أفريقيا، وتمر بين ميناء صلالة وغرب المتوسط، في خطوة جديدة ضمن خطة العودة التدريجية إلى قناة السويس.
ويقول القبطان عمرو قطايا، خبير النقل البحري، لـ 24، إن العودة لا تقتصر على "ميرسك"، بل تشمل تحركات واختبارات تنفذها شركات أخرى، من بينها "سي إم إيه سي جي إم" (CMA CGM) و"هاباغ لويد" (Hapag-Lloyd).
ويوضح أن الشركات تبدأ بعدد محدود من السفن والخدمات، ثم تراقب الأوضاع الأمنية قبل توسيع نطاق العبور، مشيراً إلى أن المتغيرات اليومية "تمنع الخطوط الكبرى من اتخاذ قرار نهائي بإعادة جميع سفنها إلى البحر الأحمر".
ويضيف قطايا أن بعض الشركات بدأت اختبارات العودة منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل أن تتوقف مرة أخرى مع تطورات الأوضاع في المنطقة، وتعود حالياً إلى دراسة الخدمات التي يكون مرورها عبر باب المندب وقناة السويس أكثر وفراً.

مساران في شبكة واحدة
بحسب قطايا، تنجح شركات الشحن خلال أكثر من عامين في إعادة ترتيب جداولها ومواعيدها وتنسيقاتها اللوجستية حول طريق رأس الرجاء الصالح. ولذلك لا يمكنها إلغاء هذه الشبكات بصورة فورية والعودة الكاملة إلى قناة السويس، مشيراً إلى أن الشركات تتجه إلى إعادة بعض السفن والخطوط إلى قناة السويس، مع استمرار استخدام طريق أفريقيا في خدمات أخرى، وفقاً لمسار كل خط وكلفته والمخاطر المحيطة به.
وتتوافق تلك الرؤية مع تأكيدات شركة "ميرسك" بأنها "تراقب الوضع الأمني في المنطقة بشكل مستمر، وأن استمرار خدماتها عبر قناة السويس يبقى مرتبطاً باستقرار البحر الأحمر وعدم تصاعد الصراعات"، بينما تظل خطط العودة إلى رأس الرجاء الصالح جاهزة عند الحاجة.
وتتزامن تلك الخطوات مع عودة باب المندب إلى الواجهة، إذ تصفه وكالة "رويترز" بنقطة ضغط محتملة على التجارة العالمية، مع تصاعد التهديدات المرتبطة بإغلاق المضيق بالتزامن مع اضطرابات الملاحة في هرمز.
توفير تشغيلي وتأمين مرتفع
يقول قطايا إن الميزة الأساسية للعودة إلى قناة السويس لا تتمثل في انخفاض التأمين، لأن باب المندب لا يزال يُصنف منطقة عالية المخاطر، وإنما في تقليص زمن الرحلة واستهلاك الوقود وإيجار السفن، موضحاً أن الدوران حول رأس الرجاء الصالح يضيف نحو 15 يوماً إلى بعض الرحلات، ما يرفع كلفة الوقود وإيجار السفن والتشغيل، ويؤخر وصول الحاويات إلى وجهاتها ويضغط على سلاسل الإمداد والتموين.
ويضيف خبير النقل البحري أن المرور عبر البحر الأحمر يلغي جزءاً كبيراً من هذه التكاليف الإضافية، ويسرع وصول البضائع، لكنه لا يخفض تلقائياً علاوة التأمين المرتبطة بمخاطر باب المندب.
وفي ظل هذه الحسابات، يبدو أن شركات الشحن اتجهت إلى استراتيجية "المسارين" تجنباً للرهان على مسار واحد لسفنها، فقناة السويس هي الطريق الأسرع والأقل تكلفة والخيار الأقرب، وفي الوقت نفسه يبقى طريق رأس الرجاء الصالح خياراً احتياطياً تلجأ إليه الخطوط البحرية حال تصاعد المخاطر.