قطاع غزة المدمر (رويترز)
الجمعة 31 يوليو 2026 / 19:52
تقف المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة تتخطّى الترتيبات الأمنية إلى إطلاق مسار التعافي اقتصادياً واجتماعياً في القطاع المدمر، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصل "مجلس السلام" إلى اتفاق يقضي بنزع سلاح حركة حماس والجماعات المسلحة في قطاع غزة.
ووصف ترامب الاتفاق بأنه "خطوة هائلة نحو تحقيق السلام والأمن الدائمين"، تمهيداً لانتقال إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية جديدة تعمل بالتنسيق مع المجلس.
ولا تقتصر أهمية الاتفاق على أبعاده السياسية والأمنية، إذ يشكل بوابة للانتقال أمام واحدة من أكبر عمليات التعافي وإعادة الإعمار في التاريخ الحديث، بعد حرب امتدت لـ 3 أعوام، وخلّفت عشرات الآلاف من الضحايا ودماراً واسعاً في المساكن والمنشآت الحيوية والبنية التحتية، ودفعت اقتصاد غزة إلى حافة الانهيار الكامل، وفق تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي.
نزع سلاح حماس بالكامل.. ما هي أبرز بنود اتفاق غزة؟ - موقع 24أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الجمعة، أن "مجلس السلام توصل إلى اتفاق تاريخي يقضي بنزع السلاح بالكامل من حركة حماس وجميع الجماعات المسلحة الأخرى في غزة".
غزة قبل الحرب
كان القطاع يعاني أزمة اقتصادية واجتماعية حادة قبل اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وبلغ معدل البطالة نحو 45.3% في 2022، وارتفع إلى 46.4% في الربع الثاني من 2023، وهو من أعلى معدلات البطالة في العالم، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وفي منتصف عام 2023، لامست نسبة الفقر في قطاع غزة 63.6% مقابل 11.5% في الضفة الغربية، ما يعني أن غالبية سكان القطاع - البالغ عددهم آنذاك 2.23 مليون نسمة - كانوا يعيشون في حالة اقتصادية هشة قبل اندلاع الحرب، بحسب تقديرات البنك الدولي.
وبحسب "الأونكتاد"، اعتمد 80% من سكان غزة على المساعدات الدولية قبل الحرب، في ظل القيود المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع وتراجع الاستثمار وضعف القدرة الإنتاجية. وانخفض نصيب الفرد من الناتج الحقيقي في غزة 37% بين عامي 2006 و2022، كما تراجعت مساهمة القطاع في الاقتصاد الفلسطيني من 31% إلى 17.4%.
وفي ضوء الوفيات والمفقودين وموجات النزوح وتراجع المواليد، خفض الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تقديراته لعدد سكان قطاع غزة في منتصف 2025 إلى نحو 2.11 مليون نسمة، أي أقل بنحو 10% من الإسقاطات السابقة.
غزة بعد الحرب
تشير تقديرات الأونكتاد إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي لغزة بنحو 83% خلال 2024، ليبلغ قرابة 362 مليون دولار. كما هبط نصيب الفرد من الناتج إلى نحو 161 دولاراً سنوياً، أي ما يعادل 6.4% فقط من الذروة المسجلة في 2005، وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
وارتفعت معدلات البطالة إلى 80%، مع فقدان أكثر من 200 ألف وظيفة في المراحل الأولى للحرب، وفق منظمة العمل الدولية. كما سجلت غزة تضخماً استثنائياً بلغ نحو 238% خلال 2024 نتيجة نقص السلع، تضرر الأسواق، تعطل سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل، ما أدى إلى انهيار القدرة الشرائية للرواتب والمدخرات.

نطاق الدمار وإعادة الإعمار
تقدر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، كلفة التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى 10 سنوات، مع حاجة ملحة لتوفير 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الـ 18 الأولى، لاستعادة الخدمات الأساسية وترميم البنية التحتية.
وبحسب التقييم النهائي المشترك الصادر في أبريل (نيسان) 2026، بلغت الأضرار المادية المباشرة 35.2 مليار دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن تعطل الإنتاج إلى 22.7 مليار دولار، لتشكل هاتين الفئتين معاً نحو 57.9 مليار دولار.
وتتجاوز عملية الإعمار تشييد المباني، إذ تمثل مساراً اقتصادياً وإنسانياً معقداً في ظل نزوح 1.9 مليون شخص وفقدان أكثر من 60% من السكان لمنازلهم، فضلًا عن تراجع مؤشرات التنمية البشرية في غزة بما يعادل نحو 77 عاماً، وفقاً لتقديرات التقييم.
مع ذلك، يظل اتفاق نزع السلاح، وفق الإعلان الأمريكي إطاراً مرحلياً يحتاج إلى ترتيبات تنفيذية ورقابة مستقلة قبل أن يتحول إلى بيئة مستقرة للإعمار، وفق وكالة "أسوشيتد برس".

الكلفة الاقتصادية على إسرائيل
من جانبه، يقدّر بنك إسرائيل الكلفة المالية المباشرة للحرب بنحو 350 مليار شيكل، تشمل الإنفاق الدفاعي والنفقات المدنية المرتبطة بها، فيما بلغت كلفة عام 2025 وحده نحو 116 مليار شيكل.
ولا يخص هذا الرقم حرب غزة وحدها، بل يشمل الحرب متعددة الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، والدفاع الجوي، وإجلاء السكان، والتعويضات، وتعبئة قوات الاحتياط، وعمليات إقليمية أخرى، بحسب البنك.
وإلى جانب الإنفاق الحكومي، يقدّر بنك إسرائيل خسارة الناتج التراكمية مقارنة بمسار النمو المتوقع قبل الحرب بـ 177 مليار شيكل حتى نهاية 2025، أي ما يعادل 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.
وتنعكس الحرب بوضوح على المالية العامة، إذ انتقلت الميزانية الإسرائيلية من فائض يعادل 0.6% من الناتج عام 2022 إلى عجز بلغ 6.8% في 2024، قبل أن يتراجع إلى 4.7% في 2025. كما ارتفع الدين العام من 60% إلى 68.5%، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي وبنك إسرائيل.

تقديرات لخسائر حماس
تُفيد وزارة الخزانة الأمريكية، بأن حركة حماس تكبدت خسائر مالية نتيجة انهيار اقتصاد غزة والعقوبات التي استهدفت شبكاتها المالية والاستثمارية. وقدرت تقارير سابقة ميزانيتها السنوية قبل الحرب بنحو 500 مليون دولار، تعتمد جزئياً على الضرائب والرسوم المحصلة داخل القطاع.
وتشمل الخسائر المحتملة تضرر الأصول والاستثمارات وتراجع الإيرادات، إلى جانب تدمير أسلحة وأنفاق وقواعد ومراكز قيادة. مع ذلك، لا توجد بيانات مستقلة تحدد قيمة الإيرادات المفقودة أو الأصول المجمدة والمدمرة، أو كلفة إعادة بناء القدرات العسكرية، ما يمنع الوصول إلى تقدير شامل ودقيق، بحسب الخزانة الأمريكية.

الضحايا
حتى 15 يوليو (تمَّوز)، تُشير بيانات وزارة الصحة في غزة المعتمدة في تقارير الأمم المتحدة، إلى مقتل 73,246 فلسطينياً وإصابة 173,727 آخرين منذ بدء الحرب. ولا تشمل الحصيلة آلاف المفقودين تحت الأنقاض، أو الوفيات غير المباشرة الناتجة عن تدهور الرعاية الصحية وانتشار الأمراض والمجاعة.
وعلى الجانب الإسرائيلي، تفيد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استناداً إلى مصادر إسرائيلية رسمية، بمقتل أكثر من 1,671 إسرائيلياً وأجنبياً منذ بداية الصراع. وتشمل الحصيلة 471 جندياً إسرائيلياً قُتلوا في قطاع غزة منذ بدء العملية البرية.