محلات مغلقة في جنوب أفريقيا (أ ف ب)
محلات مغلقة في جنوب أفريقيا (أ ف ب)
السبت 15 أغسطس 2026 / 16:18

أزمة الخدمات تخنق جوهانسبرغ وتهدد اقتصاد جنوب أفريقيا

تواجه جوهانسبرغ، أكبر مركز اقتصادي في جنوب أفريقيا، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية باتت تنعكس مباشرة على أعمال الشركات وتكاليف التشغيل، في ظل انقطاعات متكررة للمياه والكهرباء، وتراجع الإنفاق على البنية الأساسية، واضطراب الإدارة المحلية.

انقطاع المياه يضرب الإنتاج

بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أظهرت الأزمة آثارها بوضوح في مصنع شركة "ديكون هول فودز" لإنتاج الصلصات التي تُورّد إلى متاجر في أنحاء جنوب القارة الأفريقية، إذ عمل المصنع خلال 25 وردية إنتاج من دون إمدادات منتظمة من المياه الجارية، بسبب الانقطاعات شبه المستمرة في جنوب جوهانسبرغ.

وكان المصنع يستهلك تاريخياً نحو 240 ألف لتر من المياه يومياً، ما جعل نقص الإمدادات يعطل عمليات طهي المكونات وتوليد البخار وتنظيف المعدات.

وقال شارل دي فيلييه، الرئيس التنفيذي لشركة "ليبستار" المالكة للمصنع، إن الشركة اضطرت إلى نقل المياه بالشاحنات إلى الموقع، مشيراً إلى أن الاضطرابات أسهمت في نقص قدره 17 مليون راند، أي نحو مليون دولار، عن الأرباح المتوقعة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026.

وتعكس هذه الواقعة حجم تأثير تراجع الخدمات في جوهانسبرغ على الشركات، رغم أن المدينة تستضيف نحو 70% من مقار الشركات الكبرى في أفريقيا.

جوهانسبرغ.. "مدينة الذهب" تقترب من نقطة الانهيار - موقع 24تعيش مدينة جوهانسبرغ، القلب الاقتصادي لجنوب أفريقيا، وأغنى مدن القارة الأفريقية، مرحلة توصف بأنها الأخطر في تاريخها الحديث، بعدما تحولت المدينة، التي لطالما عُرفت بأنها "مدينة الذهب"، إلى نموذج لأزمة حضرية متفاقمة، تتشابك فيها مشكلات الإدارة والسياسة والديون وتدهور الخدمات العامة.

خدمات متراجعة وبنية تحتية تحت الضغط

ولا تقتصر مظاهر التدهور على المياه، إذ تعاني المدينة أيضاً من مشكلات في جمع النفايات وصيانة الطرق، فيما توقفت لفترة وجيزة مركبات صيانة الطرق وسيارات الشرطة في يونيو (حزيران) الماضي، بسبب عدم سداد تكاليف الوقود.

كما هددت شركة الكهرباء الحكومية "إسكوم"، بقطع الإمدادات عن أجزاء من المدينة بسبب متأخرات بلغت 3.8 مليار راند، ما يعادل 235 مليون دولار، في أواخر يوليو (تموز) الماضي.

وتعاني جوهانسبرغ كذلك من تآكل الطرق وانتشار المباني المهجورة، فيما تحولت بعض الأبراج في وسط المدينة إلى مناطق تسيطر عليها عصابات تفرض الإيجارات على واضعي اليد والسكان غير النظاميين.

وقال بيتر أتارد مونتالتو، المدير الإداري لشركة "كروثام" الاستشارية في جوهانسبرغ، إن "المدينة لو كانت شركة لكانت أُعلنت مفلسة بحلول الآن".

أزمة مالية تتجاوز نقص السيولة

تظهر بيانات الموازنة تضاعف ميزانية جوهانسبرغ خلال العقد الماضي إلى 80 مليار راند (4.95 مليار دولار)، في حين انخفضت حصة الاستثمار في البنية الأساسية الجديدة من 13% من إجمالي الإنفاق إلى 6% فقط.

ويشير محللون إلى أن الأزمة لا تعود أساساً إلى نقص الأموال، بل إلى الفساد وعدم استقرار الحكومات الائتلافية على مدى سنوات.

ووفقاً للمراجع العام، تخسر جوهانسبرغ نحو 12 مليار راند سنوياً (742 مليون دولار سنوياً)، ما يعادل 15% من ميزانيتها، بسبب الإنفاق غير المصرح به وغير المنتظم.

تدخل حكومي وضغوط على البلدية

تدخلت الحكومة الوطنية في يوليو (تموز) الماضي بحجب تمويل عن جوهانسبرغ، وأكثر من 60 مدينة وبلدة أخرى للحد من الهدر وسوء الإدارة، قبل أن تفرج عنه لاحقاً بشكل مشروط.

ويرى محللون أن تدخل الخزانة قد يساعد في ضبط مالية جوهانسبرغ على المدى القصير، لكنه لن يعالج المشكلات الهيكلية، وفي مقدمتها ضعف الاستثمار ونقص القدرات الفنية والمهارات المتخصصة.

عدم الاستقرار السياسي يعمق الأزمة

عانت جوهانسبرغ خلال العقد الماضي من اضطراب سياسي حاد، إذ تعاقب عليها 10 رؤساء بلديات، في ظل حكومات ائتلافية متغيرة جعلت التخطيط طويل الأجل أكثر صعوبة.

وتتجه الأنظار إلى الانتخابات المحلية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن أياً من الأحزاب قد لا يحصل على أغلبية مطلقة، ما يرفع احتمال تشكيل ائتلاف سياسي جديد ومعقد قد يطيل أمد حالة عدم الاستقرار.

خطر على اقتصاد جنوب أفريقيا

تقول المسؤولة السابقة في الخزانة والباحثة في مكتب البحوث الاقتصادية، نومفويو جوما: إن المدينة "أكبر وأهم من أن يُسمح لها بالفشل"، محذرة من أن تداعيات انهيارها ستكون شديدة على النمو الاقتصادي وثقة المستثمرين والتوظيف في جنوب أفريقيا.

ورغم التحذيرات المتزايدة من تدهور الوضع المالي والخدمي، تؤكد سلطات جوهانسبرغ أن المدينة ليست مفلسة وأنها تعمل على استقرار أوضاعها المالية، في حين يرى محللون أن استمرار تدهور الخدمات والبنية الأساسية وعدم الاستقرار السياسي قد يترك تداعيات أوسع على اقتصاد البلاد.