صراع المعادن الأرضية النادرة (الصورة بالذكاء الاصطناعي)
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 / 00:03
تخطط الولايات المتحدة واليابان لحفر أعمق منجم تحت الماء في العالم بعمق 6 آلاف متر في جزيرة يابانية صغيرة في المحيط الهادئ، لكسر هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة.
المعادن الأرضية النادرة 17 عنصراً كيميائياً منها النيوديميوم، والديسبروسيوم، تُشكل أساس مجموعة واسعة من الصناعات عالية التقنية
من المُقرر أن تجري عمليات الحفر في جزيرة "ميناميتوريشيما"، وهي بقعة أرض مسطحة بحجم بضعة مبانٍ سكنية، لا تضم سوى محطة أرصاد جوية ومدرج طائرات، على بعد أكثر من 1000 ميل جنوب شرق طوكيو، إلا أنها تقع فوق رواسب من العناصر الأرضية النادرة في أعماق البحار، وهي رواسب يمكنها "تلبية احتياجات صناعية تمتد لقرون"، وفق "بلومبرغ".
يقول ويليام تشو، زميل في معهد هدسون، إن "مشروع ميناميتوريشيما يُمكن اليابان والولايات المتحدة من امتلاك سلسلة إمداد متكاملة من المنجم إلى المغناطيس للعناصر الأرضية النادرة، مما يساعد على كسر نفوذ الصين عليهما".
بدأت معالم الخطط المتعلقة بسير المشروع تتضح مع إعلان مجلس الوزراء الياباني نتائج عينات الاختبار التي استخرجت من الموقع، وأظهرت مستويات عالية من الإيتريوم والغادولينيوم والديسبروسيوم - وهي عناصر أرضية نادرة ثقيلة تهيمن الصين بشكل خاص على إنتاجها.

في هذا السياق، أبدت مجموعة من شركات أمريكا الشمالية، من بينها شركة "ديب ريتش تكنولوجي" التي تتخذ من هيوستن مقراً لها، اهتماماً بمشروع استخراج رواسب "ميناميتوريشيما".
لكن يظل التنقيب في هذه المنطقة تحدياً كبيراً، فنصف مشاريع التنقيب عن النفط البحرية - حتى الآن - لا تصل إلا إلى نصف عمق قاع بحر "ميناميتوريشيما" في ظل ضغط مياه يُقدر بـ 600 ضعف ضغطها عند مستوى سطح البحر.
وإذا تكللت هذه الجهود بالنجاح، فمن المرجح أن يتطلب المشروع استثمارات بمليارات الدولارات على مدى أكثر من عقد لإنتاج العناصر الأرضية النادرة، بتكلفة تعادل ثلاثة أضعاف تكلفة استخراجها من البر في الصين، وفق تقديرات أحد أفراد القطاع الخاص.
لماذا اختارت اليابان أمريكا حليفاً لها في المشروع؟
تتعدد الأسباب التي دفعت اليابان لاختيار الولايات المتحدة شريكاً لها في التنقيب عن المعادن بجزيرة ميناميتوريشيما، أبرزها:
1- كسر هيمنة الصين على المعادن النادرة: وجدت اليابان في ترامب، الرغبة ذاتها في الحد من نفوذ الصين على الولايات المتحدة في مجال المعادن النادرة، وفتح المجال أمام الشركات الأمريكية لاستكشاف وتعدين المعادن في قاع البحار.

2- الدفاع عن المصالح الوطنية اليابانية: ترى ساناي تاكايتشي رئيسة وزراء اليابان في تحالفها مع الولايات المتحدة رصيداً مهماً في الدفاع عن المصالح الوطنية في مواجهة الصين، لاسيما أن الإنتاج المشترك للمعادن الأرضية النادرة من ميناميتوريشيما من شأنه أن يساعدها على توطيد العلاقات بين البلدين من خلال ضمان أمن سلسلة التوريد للمواد التي تحتكرها الصين حالياً.
3- تخوفات من التصعيد العسكري: في يونيو (حزيران) 2025، اتخذت الأحداث منحى أكثر خطورةً عندما دخلت إحدى حاملات الطائرات الصينية المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة ميناميتوريشيما، في أول مرة تتواجد فيها سفينة حربية صينية في المنطقة، ما دفع طوكيو للاحتجاج ونقل بطارية صواريخ مضادة للسفن إلى الجزيرة لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية، وتخطط حالياً لنقل رادارات إليها.
4- كسر قيود التصدير المفروضة على البلدين: في أبريل (نيسان) 2025، فرضت الصين قيوداً على 7 عناصر أرضية نادرة ما زالت سارية بنظام تراخيص التصدير، هي: الساماريوم، والغادولينيوم، والتيربيوم، والديسبروسيوم، واللوتيتيوم، والسكانديوم، والإيتريوم، ووسعت القائمة بإضافة 5 عناصر أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام.

5- شل تحركات الشركات اليابانية والأمريكية: لم تكتف الصين بوضع قيود على تصدير 12 معدناً نادراً وخصوصاً إلى البلدين، بل وسعت نطاق الضوابط إلى شركات ومنتجات وتقنيات مرتبطة بالتعدين والمعالجة وصناعة المغناطيسات، ما تسبب في اختناقات كبيرة في سلاسل التوريد العالمية.
6- منع تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج (Dual-use metals): في يناير (كانون الثاني) 2026 شددت الصين ضوابط تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى اليابان، وفي فبراير (شباط) ويونيو (حزيران) 2026 استهدفت الصين عشرات الكيانات اليابانية، ثم 10 كيانات أمريكية، بينها شركتا "MP Materials" و"USA Rare Earth" بمنع تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج إليها.
ما هي المعادن الأرضية النادرة؟
تضم المعادن الأرضية النادرة 17 عنصراً كيميائياً وتشكل العمود الفقري لمجموعة واسعة من الصناعات عالية التقنية، من الهواتف الذكية وأشباه الموصلات إلى توربينات الرياح والمركبات الكهربائية والأنظمة العسكرية المتقدمة.

يأتي على رأس هذه المعادن النيوديميوم والديسبروسيوم اللذان يُعدان عنصرين حاسمين في تصنيع المغناطيسيات الدائمة فائقة القوة المستخدمة في المحركات والمولدات الكهربائية، بينما يدخل اليوروبيوم والإيتريوم في إنتاج الفوسفور المسؤول عن الألوان الزاهية في شاشات العرض.
ووفق تقديرات حديثة عن المعادن الأرضية النادرة، بلغت قيمة السوق العالمية 6.4 مليار دولار عام 2024، مع توقعات أن تقفز إلى 11.3 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 10% خلال الفترة من 2024 إلى 2030.