طائرة بوينغ 747 (رويترز)
طائرة بوينغ 747 (رويترز)
الخميس 3 سبتمبر 2026 / 14:15

نهاية عصر بوينغ 747.. أي طراز سيخلف الطائرة الأيقونية؟

بعد ستة عقود من التحليق القاري، تقترب بوينغ 747 من هبوطها النهائي في عالم الطيران التجاري، لتطوي معها صفحة كاملة من عصر السفر الجوي الفاخر العابر للمحيطات.

يرى بعض العاملين السابقين على الطائرة أن اختفاء 747 لا يعني فقط رحيل طراز من الطائرات، وإنما نهاية شكل كامل من تجربة الطيران.

في ظل ازدياد الضغط على شركات الطيران لخفض التكاليف، أصبحت الطائرات ذات الأربعة محركات أقل ملاءمة للحسابات الجديدة، وأضحت الكفاءة التشغيلية أكثر أهمية من الحجم وحده. 

لم تخسر 747 مكانتها لأن طائرة واحدة تفوقت عليها في كل شيء، وإنما لأن منطق صناعة الطيران نفسه تغير.

الطائرة التي بدأت رحلتها الأولى في وقت كان فيه الطيران العابر للقارات لا يزال حدثاً استثنائياً، أضحت على مدى عقود واحدة من أكثر الطائرات شهرة في العالم، قبل أن تتغير حسابات صناعة الطيران نفسها، ويصبح تشغيل طائرة ضخمة بأربعة محركات أقل جاذبية من الاعتماد على طائرات أصغر وأكثر كفاءة.

ومع خروج 747 تدريجياً من رحلات الركاب إلى قطاع الشحن، انتقلت بعض أبرز مهامها إلى بوينغ 777 وإيرباص A350، فكلاهما ينتمي إلى الجيل الأحدث من الطائرات عريضة البدن، ويستطيع تشغيل الرحلات الطويلة بسعات كبيرة، فيما يوفر الاعتماد على محركين مزيداً من الكفاءة ويقلل أعباء التشغيل مقارنة بالطائرات ذات الأربعة محركات.

المخاطرة التي صنعت البداية

في سبتمبر (أيلول) 1968، خرجت أولى طائرات 747 من خط إنتاج بوينغ، حاملةً معها أحد أضخم الرهانات الهندسية في تاريخ الشركة، حيث جاء المشروع بعد خسارة عقد عسكري أمام لوكهيد C-5 Galaxy، لتقرر بوينغ تحويل خبرتها الهندسية إلى تطوير طائرة نقل تجارية هائلة الحجم.

ولتحقيق المشروع استثمرت الشركة في شراء 3.2 مليون متر مربع في مدينة إيفريت بولاية واشنطن، وبنت مجمعاً لتجميع الطائرات بتكلفة 200 مليون دولار ذلك الوقت (ما يعادل 2.8 مليار دولار حالياً).

وعمل على المشروع 2700 مهندس، ووصل معدل الإنتاج في فترات الذروة إلى بناء ثماني طائرات في وقت واحد.

وبالفعل نجح الرهان، ففي 9 فبراير (شباط) 1969 أقلعت أول 747 في رحلتها التجريبية، وبعد أقل من عام تسلّمت "بان آم" أول طائرة في يناير (كانون الثاني) 1970، قبل أن تبدأ الخدمة التجارية في اليوم 22 من الشهر ذاته على خط نيويورك - لندن. 

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الطائرة جزءاً من التحول الكبير الذي شهدته صناعة السفر الجوي.

طائرة غيّرت شكل السفر

كان الفارق واضحاً منذ البداية، فالطائرات التي سبقت 747، مثل 707 و727، كانت تنقل أقل من 200 راكب، بينما أتاحت الطائرة الجديدة استيعاب أكثر من 490 راكباً، إلى جانب مساحة ضخمة للشحن ومدى طويل.

وكان بإمكانها في بعض التكوينات عالية الكثافة حمل أكثر من 600 راكب، بينما تراوحت سعتها المعتادة بين 275 و475 راكباً. 

أما طراز 747-8، فبلغ طوله 76.25 متر، ووزن إقلاعه الأقصى نحو 447.7 طن، مع مدى يقارب 8895 ميلًا وسرعة تحليق تصل إلى نحو 565 ميلًا في الساعة.

تميّزت 747 أيضاً بالتجربة التي قدمتها للركاب، حيث أتاح الطابق العلوي تخصيص مساحات للصالات والبارات، وظهرت في بعض الرحلات صالات تضم آلات بيانو وأجهزة موسيقية، وشملت قوائم الدرجة الأولى أطباقاً فاخرة من اللحوم والكافيار، بينما كانت الدرجة الاقتصادية تقدم وجبات أكثر تنوعًا وسخاءً مما اعتاد عليه المسافرون في الرحلات الجوية آنذاك.

وكان السفر نفسه أكثر اجتماعية؛ ممرات واسعة، وأسقف يصل ارتفاعها إلى 2.4 متر، ومساحات تسمح للركاب بالحركة والتفاعل. 

لهذا يرى بعض العاملين السابقين على الطائرة أن اختفاء 747 لا يعني فقط رحيل طراز من الطائرات، وإنما نهاية شكل كامل من تجربة الطيران.

وبخلاف التجربة الاجتماعية والرحلات التجارية، دخلت الطائرة أيضاً في مهام استثنائية، مثل تعديل ناسا إحدى نسخها لحمل مكوك الفضاء "إنتربرايز". كما دخلت نسخة أخرى الخدمة منذ عام 1990 ضمن أسطول الطائرات الرئاسية الأمريكية "Air Force One".

متى تغيّرت المعادلة؟

الطائرة التي ازدهرت مع توسع السفر الجماعي اصطدمت تدريجياً بعالم طيران مختلف، ففي عام 1973 رفعت صدمة النفط تكاليف الوقود، ثم جاءت عمليات اختطاف الطائرات لتفرض إجراءات أمنية أكثر صرامة على المطارات، قبل أن تخفف الولايات المتحدة في 1978 القيود الحكومية على شركات الطيران، فيتغير شكل المنافسة والأسعار.

وفي ظل ازدياد الضغط على شركات الطيران لخفض التكاليف، أصبحت الطائرات ذات الأربعة محركات أقل ملاءمة للحسابات الجديدة، وأضحت الكفاءة التشغيلية أكثر أهمية من الحجم وحده. 

باختصار؛ لم تخسر 747 مكانتها لأن طائرة واحدة تفوقت عليها في كل شيء، وإنما لأن منطق صناعة الطيران نفسه تغير.

من يخلف 747؟

اليوم لم تعد هناك طائرة واحدة يمكن القول إنها "نسخة جديدة" من 747، فإرثها يتوزع بين طائرات الجيل الجديد، على رأسها بوينغ 777 وإيرباص A350، اللتان أصبحتا الخيار الأكثر ملاءمة للرحلات الطويلة التي تحتاج إلى سعة كبيرة، مع الاستفادة من كفاءة الطائرات ذات المحركين.

أما 747 نفسها، فقد انتهى إنتاجها رسمياً بعد أكثر من خمسة عقود، بعدما صنعت بوينغ 1574 طائرة بين 1970 و2023، بينها طائرات للركاب وأخرى للشحن.

وكانت آخر طائرة خرجت من خطوط الإنتاج من نصيب "أطلس إير" في يناير (كانون الثاني) 2023.

ومع ذلك لا تختفي الطائرة دفعة واحدة، فما زالت بعض نسخها تعمل في قطاع الشحن، كما بقي عدد محدود منها في الخدمة مع شركات طيران حول العالم. 

وفي الوقت نفسه، تحوّلت طائرات أخرى منها إلى هياكل متوقفة في ساحات تخزين الطائرات، بانتظار التفكيك وإعادة استخدام أجزائها.

وربما تختصر هذه النهاية قصة 747 كلها، فهي طائرة صُممت لتجعل العالم أكثر اتصالًا، ونجحت في ذلك إلى حد غيّر شكل السفر نفسه، لكنها أصبحت في النهاية ضحية التحول الذي ساعدت على صنعه.